3 ـ عند إخفاء النُّون في الحروف الخمسة عشر، وهذا الثالث هو أعلى ظهور لصوتِ الغُنَّة عنده [1] .
وقد شاركَ بعضُ أصحاب المدرسة العقليَّة في الحديث عن تلك التَبَعِيَّة، قال ابن سينا عن صوتِ الغُنَّةِ إذا خرج خالِصًا من الخيشومِ:"والميمُ والنُّون قد يكونُ منهما ما يُقْتَصَرُ فيه على الدَّويِّ الحادِثِ من الهواءِ في تجويفِ آخرِ المَنْخِر، ولا يُرْدَفُ حبسه عند الإطلاق بحَفزٍ للهواءِ إلى خارجٍ، وهذا كغُنَّةٍ مُجرَّدة" [2] . فقولُه (منهما) يُعطيك معنى التبعيَّة.
6 ـ المعنى السادس لـ: (الغُنَّة) = صوت مقسومٌ بين الفم والأنف
عرَّف الفارابيُّ الغُنَّةَ، فقال:"الغُنَّةُ: سلوكُ بعضِ أجزاءِ الهواءِ في الفَم والأنفِ" [3] .
هذا في علم الموسيقى وصنعة الغِناء.
7 ـ المعنى السابع لـ: (الغُنَّة) = النونُ التي تَخفى عند الحروف الخمسة عشر
ذكرت في المعنى الخامس أنَّ مكيًّا عدَّ نونَ الإخفاء أعلى ظهورٍ لصوتِ الغُنَّة، لكونها استقلَّت بهذا المخرج، ومن أجل هذا الاستقلال استَحقَّتْ أن يُطلِقَ عليها لفظَ: (الغُنَّة) .
وهو متابِعٌ لسيبويه في هذا، والفرقُ بينهما في اختلاف اللَّفظ حيث أطلق سيبويه على نونِ الإخفاء التي جعلها خاصَّةً بالمخرج السادس عشر لفظ: (النُّون الخفيَّة أو الخفيفة) [4] ، وأطلَق مكيٌّ عليها لفظ: (الغُنَّة) ، ولذلك قال:"وتَبَيَّنَ أنَّ النُّونَ الخفيَّةَ هي الغُنَّةُ، والنُّونَ المُدغَمةَ والمُظهَرةَ هي غير الغُنَّة، والغُنَّةُ تابعةٌ لها" [5] .
وعدَّ سيبويه هذه النُّونَ الخفيَّة من الحروفِ الفروعِ غيرِ الأصول كألف الإمالة وهمزة بين بين [6] ، فوافَقه مكيٌّ بقوله:"والغنَّةُ حرفٌ مجهورٌ شديدٌ لا عملَ للِّسان فيها" [7] . يعني: (والنُّون الخفيَّةُ حرفٌ مجهور ... ) ، وكلُّ كلامه بعد هذا يدلُّ على هذا المعنى، والله أعلم.
وهذه المواضعةُ الفرديةُ من مكيّ في لفظ: (الغُنَّة) هي التي جعلَتْه هدفًا وغرضًا لمَن جاء بعْدَه، بل وأغمَضَتْ دلالةَ كلامِه [8] .
(1) الرعاية ص 240.
(2) أسباب حدوث الحروف ص 92. وانظر: ص 119، و 124.
(3) الموسيقى الكبير ص 1070.
(4) الكتاب 4/ 434.
(5) الرعاية ص 268.
(6) الكتاب 4/ 432.
(7) الرعاية ص 240.
(8) انظر: الدراسات الصوتية عند علماء التجويد ص 313.