فهرس الكتاب

الصفحة 496 من 832

3 ـ المعنى الثالث لـ: (التكرير) = من العيوب التي نهى القرَّاء عنها:

استَعمل بعضُ القرَّاء: (التكرير) للنهي عن المبالغة في إخراج الرَّاء بحيث يَخرُج عن الحدِّ فيصير عيبًا نُطقيًا في التلاوة، كمثل قراءة الرَّاء كما في اللُّغة الإسبانية حيث يَضْغَطون على مخرجِها بقوَّة يَضطرُّ معه الهواءَ إلى الاندفاع بقوَّة، ويؤدِّي ذلك إلى طرََقَاتٍ واهتزازات تَحدُثُ من طرفِ اللِّسان ليست خفيَّة، بل مزعجةٍ ومستبشعةٍ على الأذُن العربية السَّليمة.

استَعمل ذلك: السعيديُّ [1] ، ومكيٌّ.

وفهِمَ بعضُ المتأخِّرين من علماء التجويد من ظاهر عبارة مكيٍّ في الرِّعاية نفيَ التكرارِ جملةً في الرَّاء [2] ، قال مكيٌّ:"والرَّاءُ حرفٌ قويٌّ للتكرير الذي فيه ... يَجري معه النَّفَسُ لانحرافِه إلى اللاَّمِ، وللتكريرِ الذي فيه، فذلك قَدْرُ الرَّخاوةِ التي فيه ... والتكريرُ: هو ارتعاد طرفِ اللِّسان بالرَّاء مُكَرِّرًا لها، فإخفاء ذلك التكرير لا بدَّ منه ... وإذا تكرَّرت الرَّاءُ، والأولى مشدَّدة أو مخفَّفة وجَبَ التحفُّظُ على إظهارهما وإخفاءِ التكرير" [3] .

وإخفاء التكرير لا يعني ـ أبدًا ـ إذهابُه جملةً، إذ كيف يُثبتُ مكيٌّ التكريرَ في أوَّل كلامِه، ويجعلُه من قوَّة الحرفِ، بل ويُثبتُ له ما أثبتَه الجمهورُ من جَرْيِ الصَّوتِ فيه، ثمَّ يَنفيه بعد ذلك في آخرِ كلامِه، هذا معناه أنَّه أضعفَ حرفَ الرَّاء ونقَله إلى حال الشدَّةِ، وبعيدٌ جدًا أن يكون مكيٌّ قد رمَى إلى هذا.

وعلينا أن نلاحِظَ البيئة التي ألَّف فيها مكيٌّ كتابَه، أعني الأندلس وهي إسبانيا اليوم، وهم الذين يُكرِّرون الرَّاء تكريرًا فاحشًا؛ إذ تخبرُنا بعض كتب التاريخ أنَّه بالرّغم من الفتح الإسلاميّ لبلاد الأندلس، وانتشار اللُّغة العربية في أوساطِها، إلاَّ أنَّ عامَّةَ أهلِها ما زالوا يحتفِظون بلغتهم الأصليَّة، أعني اللُّغة القشتاليَّة، بل كانوا يؤلِّفون فيها الكتب [4] ، ولعلَّ مكيًّا إذا لم ينبِّه على إخفاء التكرير أن يَظنَّ واحدٌ من أهل تلك اللُّغة أن التكريرَ الفاحِش للراء في لغته الأصلية هو موافقٌ لما في كتب العربية والتجويد، فيأتي به عند تلاوته للقرآن. فكان الحثّ من مكيٍّ على إخفاء هذا التكرير الفاحش، لا إذهاب القدر الذي يُبقي للراء صفتَه.

ويؤيِّد كلامي هذا قولُ القرطبيِّ:"الراء حرفٌ مكرَّرٌ منحرِفٌ ... فيتوقَّى الإفراطُ في تَكرارِه مع حِفظِ"

(1) التنبيه على اللحن الجليّ والخفي ص 28.

(2) انظر: شرح المقدمة الجزرية لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري ص 54. وبيَّن ابن الجزري خطأ مَن يقول بإذهاب التكرير جملةً في الراء. (النشر 1/ 219) .

(3) الرعاية ص 195 - 196.

(4) العلم العربي وأثره في تطور العلم العالمي ص 453.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت