أشار المبرِّدُ في توضيحه لمخرج الصاد والسِّين والزَّاي إلى ضيق المخرج المسبِّب للصفير، قال:"وحروفُ الصَّفِير مِن طرَفِ اللِّسَانِ وأطراف الثنايا، ولَهُنَّ انسِلالٌ عند التِقَاءِ الثنايا؛ لِمَا فيهنَّ مِن الصَّفِيرِ" [1] . ومعنى الانسلال في اللُّغة: المُضِيُّ والخروجُ من مضيقٍ أو زحام [2] .
ركَّز العلماءُ كسيبويه على أثر هذه الصِّفة السَّمعيّ، فكان أوَّل مَن ذكَرها ضمن صفات الحروف مكيَّ بنَ أبي طالبٍ القيسيّ [3] .
وتابعَه في إدخالها ضمنَ الصِّفات: الدانيُّ [4] ، والقرطبيُّ [5] ، وأبو العلاء الهمذانيّ [6] ، وابن الطحَّان الأندلسيّ [7] .
عرَّف مكيٌّ الصَّفير بقوله:"وحقيقة الصَّفير: أنَّه اللَّفظُ الذي يَخرُجُ بقوَّةٍ مع الرِّيح من طرفِ اللِّسان ممَّا بين الثنايا تَسْمَع له حسًّا ظاهرًا في السَّمع" [8] .
وقال ابن الطحَّان الأندلسيّ:"والصَّفيرُ: حِدَّةُ الصَّوتِ؛ كالصَّوتِ الخارجِ عن ضَغطِ ثُقْبٍ" [9] .
ونبَّه المجوِّدون والقرَّاء على تقوية صوتِ هذه الحروف، حدَّث أبو حاتمٍ سهلِ بن محمدٍ السِّجستانيِّ عن دقَّةِ شيخِه يعقوبَ الحضرميِّ في الأداء، قال:"قرأتُ على يعقوبَ الحضرميِّ فبَلَغْتُ إلى قوله ـ عزَّ وجلَّ: {وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أن تَقَعَ عَلَى الأرْضِ إلاَّ بِإذْنِهِ} [الحج: 65] ، فقال: يا سَهْل، سَمِّعْنِي صَفِيرَ السِّين، وطَنِين النُّون، وقَعْقَعَة العَين" [10] .
وهذا من النُّصوصِ الخطيرة النَّادِرة عن أحد القرَّاء العشرة التي تَشهَدُ بصحَّة ما يَقرؤهُ القرَّاء المتقنونَ اليوم حيث يُنبِّهون على تبيينِ الصَّفير في السين المشدَّدة، وغيرها من الملاحظات الصوتية.
وقال مكيّ:"وإذا وقعت السِّين وبعدها حرفُ إطباقٍ وجبتِ المحافظةُ على إظهار لفظِ السِّينِ وبيانِ صفيرها؛ لئلاَّ يُخالطَها لَفظُ الإطباقِ الذي بعدها فتصير صادًا. وذلك نحو قوله: {أُمَّةً وَسَطًا} و"
(1) المقتضب 1/ 309.
(2) لسان العرب 11/ 338 (س ل ل) .
(3) الرعاية ص 124.
(4) التحديد ص 107.
(5) الموضح ص 97.
(6) التمهيد ص 282.
(7) مخارج الحروف وصفاتها ص 128.
(8) الرعاية ص 212.
(9) مخارج الحروف وصفاتها ص 132.
(10) نقَل ذلك عنه أبو العلاء الهمَذانيُّ في التمهيد ص 296. وانظر خبرًا آخَر نقلَه عن مجهولٍ يَروي فيه هذا المصطلح ص 297.