{يَبْسُطُ} " [1] ."
وخلاصةُ ما تقدَّم أنَّ الصَّفيرَ عند مَن تقدَّم صفةٌ للصاد والزاي والسِّين، وهو عبارةٌ عن حدَّةٍ في الصَّوت، وأثرٍ سمعيٍّ واضحٍ ناشئٍ عن مرور الصَّوتِ في مجرى ضيِّق. ويُعَدُّ من فضائل الحروف التي يُحافَظُ عليها، ويُنبَّه على الإتيان بها في هذه الأصوات الثلاثة.
ويبيِّن شكل رقم (36) ـ الذي تقدَّم بعيدًا في أعضاء النُّطق ـ المجرى الضِّيق الذي تَجري فيه هذه الحروف (الجزء المُلَوَّن من طرف اللِّسان) .
وسَّع ابنُ سينا من دائرة حروفِ الصَّفير، فاستعمَل لفظ: (الصَّفير) و (الهواء الصَّافر) و (الصَّفَّار) في وصفِ أكثر من حرفٍ، وضابطُ ذلك عنده أنَّ أيَّ نفوذٍ للهواء في مجرى ضيق يُسبِّبُ صفيرًا، فكلما ضُيِّق عليه كان الصفيرُ أحدَّ، وكلما وُسِّعَ للهواء قَلَّ الصَّفيرُ، فوَصَف به الشِّينَ والثاءَ والسِّينَ، بل أعطاه للجيم. قال عن الثاء:"وأمَّا الثاءُ فتَخرُجُ باعتمادٍ من الهواءِ عند مَوضعِ التاء بلا حَبسٍ، وبحبسٍ عند طرفِ الأسنانِ، ليصيرَ الخللُ أضيقَ، فيكون صفيرٌ قليلٌ مع القَلْع، وكانَّ الثاء سينٌ تُلُوفِيتْ بحبسِ وتضييقِ فُرَجِ مَسْلَكِ هوائها الصَّفَّار" [2] .
وأَطلَق ابن سينا لفظ: (الأسباب المُصْفِرَة) على تحرُّكات عضوَي النُّطق التي تُسبِّبُ جرْيَ الصَّوتِ في مجرى ضيِّق.
ويحتاجُ كلامُ ابن سينا إلى مكان خاصٍّ أوسعَ من هذا لعَرضِ كلامِه، وحسبك من القلادة ما أحاط بالعُنُق.
2 ـ المعنى الثاني لـ: (الصَّفير) = من عيوب الفصاحة والتجويد:
ذكَر الجاحظُ أنَّ الصَّفير قد يكون من عيوب النُّطق إذا خرَج نتيجة كسرٍ في الأسنان أو فُرَجٍ فيها أدَّى إلى اندفاع الصَّفير مع كلِّ الحروف، قال:"وقال خلادُ بنُ يزيد الأرعط: خَطَبَ الجُمَحِيُّ خطبةَ نِكاحٍ أصابَ فيها معاني الكَلام، وكانَ في كلامِه صفيرٌ يَخْرُجُ من مَوضِعِ ثَنَايَاهُ المَنزوعةِ، فأجَابه زيدُ بنُ عليِّ بنِ الحسين بكلامٍ في جَودَةِ كلامِهِ، إلاَّ أنه فَضَلَهُ بحُسنِ المخرجِ والسَّلاَمةِ من الصَّفير" [3] .
واستَعمل القرطبيُّ لفظ: (شوائب الصَّفير) عند حديثِه عن الأخطاء التي يَفعلُها بعضُ المتعلِّمين عند نُطقِهم بالتاء، يريدون تحقيقَ همسِها فيُخرجونَها ممزوجةً بالسين أو الزَّاي، قال:"ومِمَّا يُسْرِعُ إليه أنَّ شوائبَ الصَّفير قد تَلْحَقُه فيَتَّصِلُ به طرفٌ من الزَّاي والسِّينِ، وهو على لسانِ مَن يَقولُهُ أظهَرُ منه"
(1) الرعاية ص 212.
(2) أسباب حدوث الحروف ص 122.
(3) البيان والتبيين 1/ 44.