سيبويه من الإخفاء، فوقَعوا في الوهْمِ، وصاروا يُخفُون ذات الميم في نحو: {مِنم بَعْد} و {ترميهم بِحِجَارَةٍ} كإخفائهم النُّون عند الخمسة عشر.
وشرَح ابنُ الباذش هذا الخلافَ في العبارات بين البصريِّين والكوفيِّين وما أدَّت إليه من الوهْم، فقال:"قال ابن مجاهدٍ: والميمُ لا تُدْغَمُ في الباء لكنَّها تُخْفى؛ لأنَّ لها صوتًا من الخياشيمِ تُواخي به النُّون الخفيفة، قال [ابن مجاهد] : وهو قولُ سيبويه ..."
وقال لي [قول ابن الباذش الأب لابنه] : وما ذُكِرَ عن الفرَّاء من إخفاء النُّون عند الباء فوجهُ ذلك أنَّه سَمَّى الإبدالَ إخفاءً، كما سَمَّى الإدغامَ في موضعٍ آخرَ من كتابه إخفاءً، فيَرْجِعُ الخلافُ إلى العبارةِ لا إلى المعنى؛ إذ الإخفاءُ الصَّحيحُ [1] في هذا الموضعِ لم يَستعمِلْهُ أحدٌ من المتقدِّمين والمتأخِّرين في تلاوةٍ، ولا حَكَوْهُ في لغةٍ.
وكذلك ما ذُكِرَ عن ابن مجاهدٍ في إخفاء الميم عند الباء قولٌ مُتَجَوَّزٌ به على سيبويه، فعلَّق عبارةَ الفرَّاء على مذهبِ سيبويه، فإن كان عنده من التحصيل ما عند الفرَّاء فعُذْرُهُ ما ذكَرْنا، وإن كان أراد غير ذلك فهو افتِئاتٌ على سيبويه" [2] ."
وقال ابن الباذش في موضعٍ آخَر:"قال لي أبي - رضي الله عنه: زعَم الفرَّاءُ أنَّ النُّونَ عند الباءِ مُخفاةً، كما تُخفى عند غيرها من حروف الفم."
وتأويلُ قوله أنَّه سمَّى البدلَ إخفاءً. وقد أخَذَ بظاهرِ عبارته قومٌ من القرَّاء المُنتَحِلِين في الإعراب مذهبَ الكوفيِّين.
وتَبِعهم قومٌ من المتأخِّرين خَلَطوا بين مذهب سيبويه وعبارةِ الفرَّاء، من القَلْبِ والإخفاء، فغَلِطوا" [3] ."
وهذا المعنى من أخطر المعاني في حاضر القرَّاء اليوم؛ إذ ما حصَل في عصرِ ابن الباذش من الوهمِ حصَل نظيرُه في عصرنا الحاضر. فعسى أن تكون القراءة التاريخيَّة لهذا المصطلح قد كشفت هذا المعنى وأزالت ذلك اللّبس، والله الموفِّق.
وإليك بعضًا من استعمالات العلماء لمصطلح: (الإخفاء) في هذا المعنى الذي ذكَرته:
1 ـ التعبير عن الإدغام بغنَّة وإخفاء النُّون عند الحروف الخمسة عشر بـ:
(يُخفي النُّون ولا يُدغِمُها عند الرَّاء واللام والقاف والكاف وسائر حروف المُعجم إلا في مثلِها) :
(1) يعني إخفاء النون عند الخمسة عشر كما هو مفهوم سيبويه.
(2) الإقناع 1/ 179 و 182.
(3) الإقناع 1/ 258.