فهرس الكتاب
على حين أنَّ الكوفيِّين يجعلون أحكام النُّون الساكنة والتنوين ثلاثة: الإظهار والإدغام المَحْضُ، والإخفاء، ويشمل هذا الأخير: الإدغام بغنة، وقلب النُّون ميمًا عند الباء، وإخفاء النُّون عند الحروف الخمسة عشر، وقد مضى بيانُ ذلك في مصطلح: (الإخفاء) ، وما دخَل من الوهم في الأداء عند بعض القراء نتيجة اختلاف المذهبَين.
استعمل هذا المصطلح من العلماء: سيبويه، وابن السرَّاج [1] ، وأبو جعفر النحَّاس [2] ، وأبو عليّ الفارسيّ [3] ، ومكيّ [4] ، والدانيّ [5] .
قال سيبويه:"وتُقلَبُ النُّونُ مع الباءِ ميمًا ... ولم يجعلوا النُّونَ باءً؛ لِبُعدها في المخرج، وأنها ليست فيها غنةٌ. ولكنَّهم أبدَلوا من مكانها أشبهَ الحروف بالنُّون وهي الميم، وذلك قولهم: مَمْبِكَ يريدون: مَن بِكَ، وشَمْباء وعَمْبَر، يريدون شنباء وعنبر" [6] .
وذكَر الدانيُّ أن أحد أحوال النون الساكنة والتنوين"أن يُقلَبا ميمًا خالِصةً من غير إدغام، وذلك عند الباء خاصّةً، وسواء كانت النونُ معها في كلمة أو كلمتَين، نحو قوله: {وَيُؤمِنم بِالله} ، و {مِنم بَعْدِ ذَلِك} ، و {مِنم بَيْنِهِمْ} ، و {أَنبِهُمْ} ، و {أنبِونِي} ، و {أنبَتَكُمْ} " [7] .
فقوله (خالصةً) يُبيِّن لك أنَّها ميم ظاهرةٌ تَتِمُّ بإطباق الشفتين.
وعرَّف ابن الطحان الأندلسيُّ القَلْبَ، فقال:"القَلْبُ: عبارةٌ عن الحُكْمِ المشهورِ من الأحكامِ الأربعةِ المُختَصَّةِ بالنُّونِ الساكنةِ والتنوينِ، وهو إبدالهُما عند لقائهما الباءَ ميمًا خالصةً، تعويضًا صحيحًا، لا يَبقَى من النُّونِ والتنوينِ أثرٌ" [8] .
وهذا التأكيد من ابن الطحَّان في آخر كلامه يرُدُّ على من يتوهَّم أن المراد بهذا الحكم هو إخفاء ذات الميم.
ولنا أن نقول لهؤلاء: إذا كان المرادُ من جَلْب الميم التقريبَ بين النُّون والباءِ والتحبيبَ بينهما، فما وجه العلَّة في إخفاء هذا الشفيعِ المحبِّب؟ أليس في إخفائه نقضٌ للعلَّة التي جيء به من أجلِها؟
(1) الأصول 3/ 416.
(2) إعراب القرآن 3/ 173.
(3) التكملة ص 287.
(4) التبصرة ص 118.
(5) التحديد ص 150.
(6) الكتاب 4/ 453.
(7) جامع البيان 2/ 734. وفي قول الدانيِّ: (ميمًا خالصةً) ردٌّ واضِحٌ على الذين يقرؤون بلا إطباقٍ للشفتَين في النون عند الباء.
(8) مرشد القارئ ل 7/ أ.