فهرس الكتاب

الصفحة 635 من 832

في الفصل السادس لتُوضِّح إدراكهم الصحيح لطبيعة الحركة وحرف المدّ، وأنَّ الفرقَ بينهما في الصَّوتِ فرقٌ كمِّيٌّ، ويختلفان بالفرق الوظيفيّ الذي يؤدِّيه كلٌّ منهما، أعني في تأثيرهما على معاني الكلمات.

وكان ابن جنيّ من أهل العربية، والقرطبيّ من أهل التجويد قد وضَّحا تلك العلاقة، وكلامهما في هذا الجانب يُلخِّصُ فكرة المتقدِّمين عنها، قال ابن جنيّ:"اعلم أنَّ الحركات أبعاضُ حروف المدِّ واللِّين، وهي الألف والياء والواو، فكما أنَّ هذه الحروف ثلاثة، فكذلك الحركات ثلاث، وهي الفتحة والكسرة والضمَّة، فالفتحةُ بعض الألف، والكسرةُ بعضُ الياء، والضمَّةُ بعضُ الواو ... ويدلُّك على أنَّ الحركاتِ أبعاضٌ لهذه الحروف أنَّك متى أشبَعْتَ واحدةً منهنَّ حدث بعدها الحرفُ الذي هي بعضَه، وذلك نحو فتحة عين: عَمَرَ، فإنَّك إن أشبَعتَها حدَثَتْ بعدها ألف، فقلت: عَامَر ..." [1] .

وتَرجَم القرطبيّ تلك العلافة في كيفيَّة أداء الحرف المتحرِّكِ في أداء القرآن الكريم، حيث نهى القرَّاءَ عن المبالغة في إشباع الحركةِ بحيث تصيرُ حرفَ مدٍّ، ولا يُخفَضَ الصَّوتُ بها فتتحوَّل إلى السُّكون، يعني في اتجاهين متعاكِسَين، قال:"الذي ينبغي أن يَعتمِده القارئُ من ذلك أن يَحفَظَ مقاديرَ الحركاتِ والسَّكَناتِ، فلا يُشبِعَ الفتحةَ بحيث تصيرُ ألِفًا، ولا الضمَّةَ بحيث تَخرج واوًا، ولا الكسرةَ بحيث تتحوَّلُ ياءً، فيكونُ واضِعًا للحرفِ موضعَ الحركةِ، ولا يُوهنَهَا ويَختَلِسَها ويُبَالِغَ فيَضْعفُ الصَّوتُ عن تأديتِها ويتلاشى النُّطقُ بها وتتحوَّلَ سكونًا" [2] .

الألفاظ المستعملة لظاهرة تقصير المدِّ ليرجع حركةً قصيرةً:

استعمل لظاهرة تقصير المدِّ ليَرجِع حركةً قصيرة عدَّة ألفاظ، منها:

1 ـ (غير التطويل) 2 ـ (القَصر، المقصُور) 3 ـ (النُّقصان والنَّقص) 4 ـ (الاكتفاء) 5 ـ (الاجتزاء) 6 ـ (الإنباء)

1 ـ المصطلح الأوَّل لظاهرة تقصير المدِّ: (غير التطويل)

من النُّصوص الخطيرة التي تقدَّمت في هذا الشأن استعمال تميم بن حذلم التابعيّ الجليل لفظ: (التطويل، وغير التطويل) في حكايته قراءة ابن مسعود ـ رضي الله تعالى عنه ـ في قوله تعالى: {وَكُلٌّ آتُوهُ دَ 1 خِرِينَ} ، قال الفرَّاء:"حدَّثَني عدَّةٌ، منهم: المُفَضَّلُ الضبِّيُّ، وقَيسٌ، وأبو بكرٍ، كلُّهم عن جَحشِ بنِ زيادٍ الضبِّيِّ عن تميمِ بنِ حَذْلمَ (ت 98 هـ) ، قال: قرأتُ على عبدِ الله بن مسعودٍ: {وَكُلٌّ ءاتُوهُ دَ 1 خِرِينَ} ، بتَطْوِيلِ الألِف. فقال: {وَكلٌّ أَتَوْهُ} بغير تَطْويل الألِفِ" [3] .

(1) سر صناعة الإعراب 1/ 17 - 18.

(2) الموضح ص 191.

(3) معاني القرآن 2/ 301. والقراءتان متواترتان: قرأ بالمدِّ حفص وحمزة وخلف، وقرأ الباقون بالقصر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت