شيخِه ثعلب، وعِلْمُه بأنَّ ذلك يؤذيهِ حيث كان بينهما من المُنافرة ما لا خفاءَ به [1] . لكنَّ هذا لم يمنع ابن مجاهدٍ أن يطَّلِع على علم البصريِّين، ونَلْحَظُ ذلك في كتابِه حيث ضمَّنَه بعضَ مصطلحاتِهم وتعليلاتِهم.
وقد بلَغَ من قدْرِه وعُلُوِّ مكانته أن تَتَلْمَذَ عليه كبارُ علماءِ المذهبِ البصريِّ في زمنه، فسمِع منه السيرافيُّ، وأبو عليٍّ الفارسيُّ، وأبو عليٍّ القاليُّ، وابن خالويه ناهيك عن أصحابه من القراء: أحمدَ بنِ نصرٍ الشذائيّ، وأبي طاهر بن أبي هاشم، ومحمد بن عبد الله بن أشتة، وغيرهم من جهابذة القرَّاء.
أهم كتبه: السبعة.
ومن أهمّ الأعمال الصوتيَّة التي قدَّمها:
1 ـ شكَّل مذهبُ ابنِ مجاهدٍ مذهبًا وسطًا بين علمِ البصريِّين والكوفيِّين، فهو من جهةٍ امتدادٌ لمذهبِ الفرَّاء الصَّوتيّ، ومن جهةٍ أخرى مذهَبٌ هضَمَ كلام سيبويه، واستَعمل تعليلاتِه الصَّوتيَّة [2] ، ويدورُ في حناياه القياسُ والترجيحُ والموازَنَةُ بين الآراء، ومن أمثلة متابعتِه لمذهب الخليل وسيبويه أنَّه رجَع ـ اختيارًا واستحسانًا ـ عن إدغام الراء في اللاَّم إلى الإظهار قبل موته بستِّ سنين [3] .
وهو بهذا قد شكَّل جسرًا بين علم البصريِّين والكوفيِّين استفاد مِنه علماءُ الأندلس من أهل التجويد كمكيّ والدانيّ والقرطبيّ حيث ظهَر علمُ الكوفيِّين في بعض أبحاثِهم.
2 ـ مصطلحاتُ ابن مجاهدٍ الصوتيَّة في غالبِها مصطلحاتٌ كوفيَّة، والتعبير عن القراءات في كتب العراقيِّين إنَّما هو بلغة الكوفيِّين كما قدَّمتُ في قول ابن الباذش، وهذا الجانبُ بشكلِه الكلِّيِّ لم يُدرَس إلى الآن، وأرجو أن تكون هذه الدراسة قد غطَّتْ شيئًا من هذا الجانب.
3 ـ قدَّم ابنُ مجاهدٍ عدَّة آراء تَنمُّ عن حسٍّ صوتيٍّ دقيقٍ، فمن ذلك تفضيلُه وجهًا على وجهٍ في القراءة لعلَّة السهولة والتخفيف [4] .
4 ـ ابن مجاهد صاحب فكرة تقسيم اللَّحنِ إلى جليٍّ وخفيٍّ، فالجليُّ لحنُ الإعراب، والخفيُّ: تركُ إعطاء الحروف حقَّه من تجويد لفظه [5] . وقد نَقَل هذا التقسيم أكثرُ علماء التجويد الذين جاؤوا بعدَه، وكان أصلًا كبيرًا في عِلْمِهم [6] .
5 ـ من مميِّزات كتاب السبعة المهمَّة جدًا نقلُه تعبيرات مَن سَبَقه من القرَّاء في نقلِهم الصَّوتيّ للقرآن
(1) أخبار النحويين البصريين للسيرافي ص 108 - 109.
(2) انظر: السبعة ص 107.
(3) انظر: جامع البيان للدانيّ 2/ 692.
(4) السبعة ص 138.
(5) انظر: الدراسات الصوتية عند علماء التجويد ص 50.
(6) انظر: الدراسات الصوتية عند علماء التجويد ص 51 وما بعدها.