والسِّين إذا كانا في وسط الكلمة" [1] ."
ومِن ذلك ما ذكَرهُ الزَّهراويُّ أن من أسباب الإضرار بالكلام قلعُ الضِّرْس، وسنَّ في ذلك قانونًا، وهو أنَّ الأعضاء قد تشترك في العلل بعضها ببعض، قال:"وقد تشتركُ الأعضاءُ في العِلَلِ بعضِها ببعضٍ ... والضِّرسُ المقلوعةُ هو مرضُ نقصانِ عدد، ويكونُ سببًا لآفةٍ تَحدث على الكلام" [2] .
وقد عَزَا الكنديُّ الأمراض الكلامية إلى ثلاثة أسباب:
1 ـ"تكون لقُوَى النَّفْس الناطِقة [3] فيَزولُ عن الحالِ الجاري المجرى الطبيعيّ."
2 ـ تكون لضعف النَّفس الناطقة، فلا تَقْدِرُ أن تُحرِّك العضَل تحريكًا شديدًا فيَفسدَ لذلك النُّطق.
3 ـ إما لزيادة آلة النُّطق وإما لنُقصانها [4] .
أما الموسيقيُّون من المتقدِّمين فقد اهتمُّوا بعيوب الحَنجَرَة والحُلُوق والنَّفَس لتأثيرها المباشر على الصَّوت وصنعةِ الغِناءِ.
وأما علماء اللُّغة والبلاغة والتجويد والقراءات، فقد اهتمُّوا بوصف عيوب الجهاز السَّمعيِّ والكلاميِّ، سواءُ أكانت عيوبًا خَلقيَّة، أو مكتسَبة، أو خارجةً على الخطِّ الأدائيِّ الذي كانت تتكلَّم به العربُ وقت نزول القرآن، وقد اهتموا ـ وخاصةً المجوِّدون منهم ـ بالتمرينات والتدريبات النُّطقية التي تساعِد على تصحيح الكلام.
وفي هذا الجانبِ بيَّن العسكريُّ أنَّ إلْفَ الآذان للخطأ والعيبِ اللُّغويِّ هو الذي يَجعلُه مقبولًا مستساغًا، فنحن نفهم كلام الأعاجم إذا تحدَّثوا العربيَّة لإلف آذاننا على الخطأ، أمَّا العرب الأوائل فلا يكادون يَفهمون ذلك، قال العسكريُّ معلِّقًا على قول العتَّابيِّ (كلُّ مَن أفهَمَك حاجتَك فهو بليغٌ) :"ولو حمَلْنا هذا الكلام على ظاهرِه للَزِمَ أن يكون الألْكَنُ بليغًا؛ لأنَّه يُفهِمُنا حاجتَهُ، بل يَلْزَمُ أن يكونَ كلُّ الناس بُلَغَاءَ حتى الأطفال؛ لأنَّ كلَّ أحدٍ لا يَعْدَمُ أن يَدُلَّ على غَرَضِه بعُجْمَتِه أو لُكْنتِه، أو إيمائه، أو إشارتِه، بل لَزِم أن يكون السِّنَّورُ بليغًا؛ لأنَّا نستدِلُّ بضُغائه على كثيرٍ من إرادته، وهذا ظاهرُ الإحالة."
ونحنُ نَفْهَمُ رَطَانةَ السُّوقيِّ، ومَجْمَجةَ الأعجميِّ للعادةِ التي جَرَتْ لنا في سماعِها، لا لأنَّ تلك بلاغة؛ ألا ترى أنَّ الأعرابيَّ إن سَمِع ذلك لم يَفْهَمْهُ، إذ لا عادةَ له بسماعِه" [5] ."
(1) البيان والتبيين 1/ 47.
(2) التصريف لمن عجَز عن التأليف 1/ 25.
(3) النَّفسُ الناطِقة عند المناطقة: هي الجَوهرُ المجرَّدُ عن المادَّة في ذواتِها مقارنةً لها في أفعالها. (التعريفات ص 244) .
(4) رسالة في اللُّثغة ص 531.
(5) الصناعتين ص 20.