قال أبو بكر الصدِّيق:"لأن أقرأ وأسقِطَ أحبُّ إليَّ من أن أقرأ وأَلْحَن" [1] .
وروى أبو الدَّرداء في حديثه عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه سَمِع رجلًا قرأ فلَحَن، فقال:"أرشِدوا أخاكم" [2] .
وجرى العلماء على هذا الاستعمال [3] ، ثمَّ اتسع هذا المصطلح بمجيءِ ابن مجاهدٍ، فكان أوَّلَ مَن قسَّم اللَّحْنَ في أداء القرآن الكريم إلى جليٍّ وخفيٍّ، قال:"اللَّحنُ في القرآن لحنان: جليٌّ وخفيٌّ، فالجليُّ: لحنُ الإعراب، والخفيُّ: تركُ إعطاء الحرفِ حقَّه من تجويد لفظِه" [4] .
فالخطأُ التجويديُّ هو خَطَأٌ صوتيٌّ ليس له في الغالب تأثيرٌ على المعنى، أمَّا الخطأُ الإعرابيُّ فهو خطأٌ وظيفيٌّ يؤثِّر على المعنى.
وتبِعَ ابنَ مجاهدٍ في هذا التقسيم كثيرٌ مِن علماء التجويد، منهم: السعيديُّ [5] ، والدانيُّ [6] ، وعبد الوهَّاب القرطبيُّ [7] ، وأبو العلاء الهمذانيُّ [8] وغيرهم. بل إنَّ منهم مَن كان منهجُ كتابه قائمًا على فكرةِ معالجةِ اللَّحن الخفيّ كالقرطبيّ.
وقد عالجَ الدكتور غانم قدُّوري الحمد هذا المصطلح بشكلٍ مُسهَب وبهذا الاعتبار عند علماء التجويد، فليُراجع ثمَّه [9] .
2 ـ المعنى الثاني لـ: (اللَّحْنُ) = تصحيحُ الكلام وتعلُّم العربية:
من استعمالات الصَّحابةِ أيضًا، منهم: أبيُّ بن كعبٍ، وعمرُ بن الخطاب، وعبد الله بن عباس - رضي الله عنهم - أجمعين.
قال أبيُّ - رضي الله عنه:"تَعَلَّموا اللَّحْنَ في القرآن كما تَعَلَّمُونَه" [10] .
ورُوِيَ عن عمرَ بن الخطَّاب - رضي الله عنه - أنَّه قال:"تَعَلَّموا السُّنَنَ والفرائضَ واللَّحْنَ كما تَعَلَّمون القرآن" [11] .
(1) نقله أبو العلاء الهمذانيّ في التمهيد ص 202.
(2) نقله أبو العلاء الهمذانيّ في التمهيد ص 196 - 197.
(3) منهم الفرَّاء في معاني القرآن 2/ 302، والأخفش في معاني القرآن 2/ 599، والمبرد في المقتضب 2/ 132 والزجاج في معاني القرآن وإعرابه 2/ 335.
(4) نقَل ذلك عنه الدانيُّ في التحديد ص 116.
(5) التنبيه على اللحن الجلي والخفيّ ص 1.
(6) التحديد ص 116.
(7) الموضح ص 57.
(8) التمهيد ص 237.
(9) الدراسات الصوتية عند علماء التجويد ص 50 وما بعدها.
(10) انظر: إيضاح الوقف والابتدا لابن الأنباريّ 1/ 15، والتمهيد للهمذانيّ ص 206.
(11) انظر: إيضاح الوقف والابتدا لابن الأنباريّ 1/ 15، والتمهيد للهمذانيّ ص 203.