فهرس الكتاب

الصفحة 719 من 832

فقال نافعٌ: الحَدْرُ، أو قالَ حَدْرُنا، أن لا نُسْقِط الإعرابَ، ولا نَنفي الحروفَ، ولا نُخفِّفَ مشدَّدًا، ولا نُشَدِّدَ مخفَّفًا، ولا نَقصِرَ ممدودًا، ولا نَمُدَّ مقصورًا، قراءتُنا قراءةُ أكابرِ أصحاب رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ سَهْلٌ جَزْلٌ، لا نَمْضَغُ ولا نَلُوكُ، نَنْبِرُ ولا نَبْتَهِرُ، نُسهِّلُ ولا نُشَدِّدُ، أصاغِرُ عن أكابر، مَلِيٌّ عن وَفِيٍّ، دينُنا دينُ العَجَائز، وقراءتُنا قراءةُ المشايخ، نَسْمَعُ في القرآن، ولا نَستَعمِل فيه بالرَّأي، ثمَّ تلا نافعٌ: {قُل لَّئِنِ اجتَمَعَت الإنسُ والجِنُّ عَلَى أن يَأتُوا بِمثْلِ هذا القُرآنِ} إلى آخر الآية" [1] ."

وهذا الوصفُ الطويلُ لنافع يدلُّك على الطريقة الدَّقيقة التي يَستعمِلُها أكابرُ القراء في نَقلِ القرآن العظيم، وأنَّ القراء لا يَقرؤون بالتشهِّي ممَّا يَظنُّه ـ مع الأسف ـ بعضُ الدارسين اليوم، أو أنَّهم متأثرون في ذلك بلهجاتِهم، {كَبُرَتْ كلمةً تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِم} .

ولفظ: (المضْغ) في قول نافع لا تُعرَفُ هيئتُه سوى أنَّه المبالغة والتكلُّف في إخراجِ الحروف؛ لأنَّه في مقابلِ اللَّوك، وهو أهْوَنُ المَضْغِ [2] .

وكان أحمد بن نصرٍ الشَّذائيُّ قد استَعمَل: (التمضيغ) في وصف قراءةِ أبي عمرو، قال:"وأمَّا صفةُ من يَنتَحِلُ قراءةَ أبي عمرو فالتوسُّطُ والتدويرُ، وهمزُها سليمٌ من اللَّكْزِ. وتشديدُها خارجٌ عن التمضيغِ، بِتَرَسُّلٍ جَزْلٍ وحَدْرٍ بَيِّنٍ سَهلٍ، يَتلو بعضُها بعضًا" [3] .

فخصَّص معنى (التمضيغ) بالمبالغة في التشديد. وهكذا استعمله الدانيُّ والقرطبيُّ في معرضِ النَّهي عن المبالغة في التشديد بحيث يَخرج عن رونقِ القراءة.

قال الدانيُّ في معنى النَّهي عن ذلك:"وإنَّما يَستعمِلُ القارئُ الحَدْرَ والهَذْرَمة، وهما سرعةُ القراءة مع تقويم الألفاظ وتمكين الحروف، لتَكثُر حسناتُه، إذ كان له بكلِّ حرفٍ عشرُ حسَناتٍ، وذلك بعد معرفتِه بالهمزِ من غير لَكْزٍ، والمدّ من غير تمطيطٍ، والتشديد من غير تَمضيغٍ، والإشباعِ من غير تَكلُّف" [4] .

ويدلُّك على هذا المعنى قول القرطبيّ عن إشباع التشديد وتخفيفِهِ، فقال:"ومتى سَمِعتَ من أئمَّةِ القراءةِ تحريضًا على المبالغة في التشديدِ في موضعٍ مّا فاعلم أنَّ المرادَ بذلك تَوقِّي الإخلالِ بحُكْمِهِ لا الإفراطُ المُخرِجُ له عن حدِّهِ لِداعٍ اقتَضى ذلك وأَوجَبَهُ، وكذلك متى سَمِعْتَ مَن يَنْدُبُ إلى التجافي عن الحرفِ المشدَّدِ والتخفيف فاعلَمْ أنَّ مرادَهُ حسنُ التأتِّي له، والتحذيرُ من طُغْيانِ اللِّسانِ بالإمعانِ فيه والتَّمْضيغِ به، أوْ لمِثلِ ذلك من العِلَل" [5] .

(1) التحديد ص 93.

(2) لسان العرب 10/ 484 (ل و ك) .

(3) نقَل ذلك الدانيُّ في التحديد 93.

(4) التحديد ص 71.

(5) الموضح 141 - 142.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت