والعقلية، ومن هنا كانت عالميَّتهم [1] . وسنَجِدُ من خلال مصطلحات الدِّراسة أنَّ الموضوعات الأساسيَّة التي بحثَها أصحابُ هذه المدرسة هي بعَينها الموضوعات التي يَدْرُسُها علمُ الأصوات المعاصر في أوَّل مباحثِه، من كيفيَّة حدوث الصَّوت وإدراكه، وشدَّته ودرجته، وما يتعلَّق منها بالنَّواحي التشريحية والفيزيائيَّة على السَّواء.
وسأعطي ملامحَ عامَّة إلى الأفكار الأساسيَّة التي تقوم عليها هذه المدرسة، والتي انعكستْ آثارُها على الجانب الصَّوتيِّ، وذلك من خلال عدَّة نقاط:
1 ـ نظريَّة العناصرِ الأربعة: وهي من النظريَّات الأساسيَّة التي قامت عليها فكرةُ الطبِّ العربيِّ ومداواتُه وعلاجاته، سواء في عيوب النُّطق أو غيرها من الأمراض، وهي نظريَّةٌ قديمةٌ جدًا، ترجِع إلى ما قبل اليونانيين، وتأثَّر بها اليونانيون، ونَقَلَها أطبَّاءُ المسلمين منهم، واستمرَّ القولُ بها حتى القرن التاسع عشر، إلى أن أبطلَها علمُ الكيمياء المعاصر.
وهي تقومُ على النَّظرةِ الكلّية للأشياء، وتستنِدُ إلى أن الإنسان هو جزء من ناموسٍ كلِّيٍّ في هذا العالَم، وأنَّ ما يحدث من حركاتٍ في الكواكبِ والأفلاكِ يؤثِّرُ على الكائناتِ الموجودةِ على سطحِ البسيطةِ فيتأثَّرُ به، ولذلك طُبِعَتِ العلومُ، ومنها العلوم الطبيَّة، عند أصحاب هذه المدرسة بالمذهب الفلسفيّ.
وتقتضي هذه النظريَّة: أنَّ العالَمَ الذي نراهُ يتكوَّن كلُّهُ من أربعةِ عناصر أساسية هي: الماءُ والنارُ والهواءُ والترابُ، تَمتَزِجُ هذه الأربعةُ بِنِسَبٍ متفاوِتةٍ لتكوِّنَ هذا العالَمَ وما فيه، فإذا تَسَاوَتْ هذه النِّسَبُ الأربعة في جسمٍ مَّا وُصِف بأنَّه: معتدِلُ المزاج، وإذا اختَلَفَتْ وُصِف بأنه: خارجٌ عن الاعتدال، ومن هنا تكوَّنتْ نظريةُ الطبائعِ الأربعِ المتمِّمة للعناصر الأربعة، أعني: الحرارةَ، والبرودةَ، والرُّطوبةَ، واليبوسةَ، إذا غَلَبَ أحدُ هذه العناصر الأربعة على الباقين سمِّيَ باسمه، فالمزاجُ الحارُّ من غَلَبَةِ العنصرِ النارِيِّ، والبارِدُ من غلبةِ العنصرِ المائيِّ، والرَّطْبُ من الهوائيِّ، واليابسُ من الأرضيّ، وربَّما يتغلَّبُ عنصران، فيوصَفُ المزاج بأنَّه: حارٌّ رَطْبٌ، أو حارٌّ يابسٌ، أو باردٌ رَطْبٌ، أو باردٌ يابس .. وهكذا.
وتتفاوتُ هذه النِّسَبُ من جسمٍ لآخَر بحسب امتزاجِ هذه العناصِر، ومن هنا تكوَّنتْ نظريةُ الأخلاطِ الأربعة: البَلْغَمُ، والدمُ، والمرارةُ السوداءُ، والمرارةُ الصفراءُ.
كانت مهمَّةُ الطبيبِ في الماضي أن يُصَنِّفَ الجسمَ إلى أيِّ الفئات ينتمي، بدلائل يَعْرِفُها من ذاتِ الجِسْمِ، ثمَّ يصِف له ما يُناسِبُه من العلاج، حتى يردَّه إلى طبعه الذي هو عليه، فالعافيةُ اعتدالٌ، والمرضُ خروج عن الاعتدال.
(1) تعرَّضَت هذه المدرسة لكثيرٍ من النَّقد والهجوم في جانبها العقائديّ الفلسفيّ، ورُمِي أصحابُها بالزندقة والإلحادِ لكونِهم أتَوا بأمور تُخالِف ما في ثوابت العقيدة الإسلامية من نظرةٍ للإنسان والكون والحياة، أخذوها من مطالعاتِهم في الجانب العقديّ للأمم السابقة. وأهتمُّ بهذه المدرسة في جانبِها الصوتيِّ البحت، ولا علاقة للبحث بغير ذلك من الجوانب.