ونلاحِظُ أثرَ هذه النظريَّة في كلامنا في قول أحدِنا: إنَّ مِزَاجي ليسَ معتدلًا اليوم [1] .
2 ـ في عيوب النُّطق اهتمَّ أطبَّاءُ العرب بالعوامل العضويَّة التي تُصيبُ أعضاءَ النُّطق، وكيفية مداواتها العلاجية، فمنها عيوبُ الجهاز السمعيّ والجهاز الكلامي، كالأمراضِ التي تُصيبُ اللِّسان واللَّهاة والحنجرة والرئتَين، من تشنُّجٍ للعصب أو خللٍ في أصل الخِلْقة، أو أورام أو قروحٍ، أو استرخاءٍ أو تشنُّجٍ، أو قِصَر الوتَرة التي تحت اللِّسان، أو تَشَوُّهِه (عِظَمه أو قِصَره) ، ويُضمِّنون في هذه الفئة من الاضطرابات: اللجلجةَ، واللَّعثمة، واضطراباتِ القراءة.
أما الموسيقيون منهم، فقد اهتمُّوا بعيوب الحنجرة والحلوق والنَّفَس لتأثيرها المباشر على الصَّوت.
ولا شكَّ أنَّ هذا الجانب من العيوب النُّطقية قد أفرَزَ عددًا كبيرًا من المصطلحات والألفاظ والتعبيرات التي تَستَحقُّ الدِّراسة والبحث مِمَّا هو مذكورٌ في الفصل الخامس من الباب الثاني.
3 ـ الأطباءُ تناولوا هيئةَ الصوت بحثًا عن السَّبب الذي يَجْعَلُ بعضَ أصوات النَّاسِ خشنةً وصافية، ورفيعةً وغليظة، وعظيمةً وصغيرَة، وذاتَ بحَّةٍ طبيعيَّةٍ ومرَضيَّة، ووجدوا أنَّ أكثرَ ما يُمثِّلُ الرِّئةَ والقصبةَ الهوائيَّةَ والحَنجَرةَ في الطبيعة هو آلة المزمار الموسيقيَّة، حيثُ تُمثِّلُ الرئةُ القوَّةَ الدافعةَ للهواء، و يُقابِلُها في المزمار قوةَ النَّفخ من الزامرِ، والقصبةُ الهوائيَّةُ تُمثِّلُ قصبَة الزامرِ، والأوتارُ الصَّوتيَّة في الحنجَرةِ تُمَثِّلُ اللِّسانَ الذي يقتطِعُ الهواءَ في المِزمار، ولذلك شُبِّهَت به فقيل لها: (الجسمُ الشبيهُ بلِسَانِ المِزْمَار) .
ومن الأمثلة على تشبيه القصبة الهوائيَّة بالمِزْمار أنَّ الأعراضَ والعِللَ التي تُصيبُ آلةَ الزَّامِرِ وتؤثِّرُ على نوعية الصَّوتِ جعَلُوها نَفْسَها الأعراضَ التي تُصِيبُ الصَّوتَ الإنسانيَّ، فالمزمارُ إذا كان خشبُهُ رطبًا، فإنَّ تَوَزُّعَ الصَّوتِ على سَطْحِهِ يكونُ بطيئًا، فيكون اهتزازُهُ بطيئًا، وصوتُه مكتومًا. أما إذا كان خشبُهُ جَافًّا فإنَّ تَوَزُّعَ الصَّوتِ على سطحِه يكونُ سريعًا، ويكونُ اهتزازُ جسمِهِ سريعًا، وصوتُه صافيًا، وهكذا علَّل بعضُ الأطباء لتركيب القصبة الهوائيَّة، فقال أبو عليّ المجوسيّ عن القصبة الهوائيَّة:"وجُعِلَ جَوهَرَ أجزائها جَوهرٌ غُضروفيٌّ صُلبٌ؛ ليكونَ إذا قَرَعَهُ الهواءُ الخارجُ كانَ الصَّوتُ لذلك صافيًا؛ إذ كان الصَّوتُ الأبحُّ إنَّما يكونُ من رُطُوبَةِ قصَبَةِ الرِّئةِ" [2] .
4 ـ كشَف الأطباءُ المسلمون عن دَور الأوتار الصَّوتية في عمليَّة التصويت، وهو أمرٌ ما زال مجهولًا لدى كثيرٍ من الباحثين اليوم،"وهو يَكشِفُ لنا عن عظمة الطبيبِ العربيِّ المسلِم الذي استطاعَ هَضْمَ العِلْمِ اليونانيِّ، وتَمَثَّل ذلك في عرضِهِ الحسنِ للمادَّة العلميةِ وإتقانِ تصنيفِها، وكذلك في إغناءِ هذه المادَّةِ العلميَّة بجهودِهِ الشخصيَّة وإسهاماته العبقرية الكثيرة. ولا أدلَّ على ذلك التقديرِ مِنْ أنه حينَما عرَفَتْ أوربا الطبَّ"
(1) انظر للاستزادة عن هذه النظريَّة: كامل الصناعة الطبية للمجوسي 1/ 17، والتصريف لمن عجَز عن التأليف لابن زهر 1/ 4، وتاريخ العلم لجورج سارتون 2/ 221 - 222
(2) كامل الصناعة الطبية للمجوسيّ 1/ 119.