العربيَّ والطبَّ اليونانيَّ في نهايةِ العصُورِ الوُسطى وبداية عصر النهضة وَضَعَت المؤلِّفين العربَ في مصافِّ المؤلِّفين اليُونان.
وتُشيرُ إحدى الرسومِ الأوروبِّية القديمة إلى الأساتذَةِ الأربعةِ العِظام في الطبِّ: أبقراط وجالينوس وحُنَين بن إسحاق وابنِ سينا.
وتُشيرُ وثائقُ أخرى كثيرةٌ يَعُودُ تاريخُها إلى العصورِ الوُسطى إلى المكانةِ الرَّفيعةِ التي كان يَحْتَلُّها بعضُ المؤلِّفين العربِ في عالَمِ التدريسِ الطبِّي، كابنِ ماسَوَيه، وابن سَرَابيون، وأبي بكرٍ الرازيّ، والمجوسيّ، وابنِ الجزَّار، والزَّهراويِّ، وابن سينا وغيرهم.
إنَّ سببَ زُهدِ الغَرْبِ الأوروبيِّ الحديثِ في التراثِ الطبيِّ العربيِّ يَرجِعُ إلى أنَّ كثيرًا من مؤرِّخي الطبِّ الأوروبيِّين قد أتْقَنُوا اللُّغتَين اليونانيَّة واللاتينيَّة، وبالتالي عرَفوا إسهاماتِ اليونانِ فيه، وجَهِلُوا اللُّغةَ العربيَّةَ فلم يَعْرِفوا كيف يَتَعامَلُون مع المخطوطِ الطبيِّ العربيِّ، ويَرجِعُ أيضًا إلى مَوقفِ الحضارةِ الغربيةِ من الحضارة العربيةِ، وقد يَرْجِعُ إلى اعتباراتٍ أخرى أيضًا" [1] ."
5 ـ عرَف المتقدِّمون الحدَّة والثِّقَل في الأصوات بمفهومٍ مغايرٍ لمفهومِ المعاصِرين، فالمعاصِرون يَعنُونَ بالحدَّةِ والثِّقلِ التغيُّرَ في طبقةِ الصَّوت (PITCH) ، والتي تعتمدُ بشكلٍ أساسيٍّ على التَّغَيُّر في التردُّد، أمَّا نظرةُ المتقدِّمين للحدَّةِ والثِّقل في الأصوات فهي نظرةٌ عامَّةٌ تتناوَلُ كلَّ ما يُحْدِثُ تغييرًا في الموجة الصَّوتيَّة، وهذه النَّظرة تَرمي إلى البحثِ عن الأسباب التي تجعَلُ الموجات الصَّوتيَّة ذات تردُّدات عالية أومنخفضة، والخاصّة بطبقاتِ الصَّوت، وذات سعةٍ اهتزازيَّةٍ أكبر أو أقل الخاصّة بشدَّة الصَّوت، وممَّا يدخُل فيها أيضًا قوَّةُ الصَّدم، ونوعيةُ الجسمِ المصدوم، وقابليَّته لنقل الموجات الصَّوتيَّة، والمقاومة التي تحدُثُ بين الجِسمَين المتقاوِمَين، وسرعة انتقال الموجة الصوتية في الوسطِ الناقلِ للصَّوت، وانعكاس الموجات الصوتيَّة أو امتصاصها ممَّا يعتمد على نوعيَّة السُّطوح في الأجسام، وتجاوب الأجسام بالاهتزاز مع أجسام أخرى مهتزَّة، ممَّا يُعرَفُ بظاهرةِ الرَّنين، وسيأتي الحديث عن ذلك كلِّه ضِمْنَ مصطلحاتِ البَحْثِ.
6 ـ فرَّق الأطباء المسلمون بين الأعضاء المسؤولة عن التنفس والتصويت، وبين الأعضاء المسؤولة عن الكلام وتقطيع الحروف، فذكَر أبو الحسن عليّ بن العباس المجوسيّ أن العضوَ الواحدَ يُستعمَل آلةً لفعلَين أو ثلاث، ليُستغنَى به عن كثرةِ الآلات [2] .
ومثَّل ابنُ رشد لذلك باللِّسان والهواء، حيث استُعمل اللِّسان في الذَّوق والكلام، والهواءُ في التنفُّس
(1) انظر: مقالة بعنوان: نظرة حديثة لفهم تاريخ الطب العربي للدكتور نشأت حمارنة (بتصرُّف) ، من مجلة التراث العربي الصادرة عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق، ص 93 - 112 من العدد 76 ربيع الأول 1420 هـ الموافق تموز ـ يوليو 1999 م. السنة: 19، ناقَشَ فيه صاحبُها المقولةَ التي تقول: إنَّ الطبَّ العربيَّ ما هو إلا الطبّ اليونانيّ القديم مكتوبًا باللُّغة العربية.
(2) كامل الصناعة الطبية 1/ 118 بتصرف.