5 ـ أشار الفارابيُّ إلى حقل السَّمع الذي تَسمعُه الأذن، يعني التردُّدات الطبيعيَّة التي تدركُها الأذن الإنسانية، قال:"ونجِدُ في طبَقَاتِ الحِدَّةِ طبقاتٍ ليستْ طبيعيَّةً للسَّمع، وكذلك في الثِّقَل وطبقاتِه، ونَجِدُ فيها طبقاتٍ طبيعيَّةً للحِسِّ، فالنَّغَمُ التي هي في طبَقاتٍ من الحِدَّةِ والثِّقَلِ طبيعيَّةٌ للإنسانِ هي بين أوَّل طبقةٍ من الحدَّةِ غَيرِ طبيعيَّةٍ وبين أوَّل طبَقَةٍ من الثِّقَل غير طبيعيَّةٍ، فإذ هو كذلك، فبيِّنٌ أنَّ النَّغَمَ المختلِفةَ الطبقاتِ، أمَّا في أنفسِها، فإنَّها يُمكِنُ أن تَتَزَيَّدَ تَزَيُّدًا بلا نهايةٍ، وأمَّا بحسب قياسِها إلى سَمْعِ الإنسان فهي متناهِيةٌ" [1] .
6 ـ قسَّمَ الفارابيُّ الأجسامَ المؤهَّلةَ لنقل الموجة الصَّوتيَّة إلى خمسةِ أنواع: مهتزة، ويزحف على وترها، ومجوَّفة نفخية، ورنَّانة، وعاكسة للموجات [2] .
7 ـ اشترط الفارابيُّ الملاسَةَ في الأجسامِ العاكِسةِ للصَّوتِ والرنَّانة، وهذا فيه إدراكٌ خَطيرٌ ودقيقٌ لظاهِرَتَي الرَّنين والصَّدَى، فمهندسو الصَّوت يَعْلَمون جيدًا أنَّ"أكثرَ الأسطُحِ فعاليَّةً لعَكْسِ الصَّوتِ هي الأجسامُ الصُّلْبَةُ المَلْساءُ ذاتُ المَلْمَسِ القاسِي، مثل الجُدران والأسْقُفِ والأرضيَّات الصُّلْبَة. أمَّا الأجسامُ الطريَّةُ، وتلك التي تكونُ ذاتَ مَسَامٍّ كثيرةٍ مثل السُّجَّاد والسَّتائر وغيرها، فإنَّها تُعتَبَرُ عاكِساتٍ رديئةٍ للصَّوْتِ، فهي تَمْتَصُّ نسبةً عالِيَةً من الصَّوْتِ عبر مَسَامِّها" [3] .
8 ـ حلَّ الفارابيُّ إشكالًا كبيرًا يجده المعاصرون عن تسمية حروف المدِّ بالساكنة مع أنَّها حركات طويلةٍ، حيثُ بيَّن كلامُه أنَّ هذه التسمية لها علاقة بالوزن الشعريّ العروضيّ والإيقاع النَّغميّ، فقد عدَّ الخليلُ الحرفَ المتحرِّكَ المتلوّ بساكنٍ يُعادِلُ في العَروض الحرفَ الممدودَ المتلوّ بحرفِ مدٍّ (أَنْ = نَا، نُو، نِي) ، وهكذا عَدَّهُ شيخُ الموسيقييِّن الفارابيُّ في الإيقاعِ الموسيقيِّ حيث يقول:"وكلُّ مقطعٍ طويل، فإن قوَّتَه قوَّةُ السبَب الخفيف، فلذلك يُعَدُّ في الأسباب الخفيفة، وكلُّ ما لحِق الأسبابَ الخفيفة لحِق المقاطِع الطويلة ... وكلُّ سبَبٍ خفيفٍ، فإنَّه يَقُومُ مقامَ نَقْرَةٍ تامَّةٍ تعقُبُها وقفةٌ، وكذلك كلُّ مَقْطَعٍ طَوِيل" [4] .
فالعلاقةُ بين السَّاكن والمتحرِّك في علم العَروضِ علاقةٌ عروضيَّةٌ إيقاعيَّةٌ مقطعيَّةٌ بحتةٌ.
9 ـ فرَّق بين الأصواتِ الانفعاليةِ التي تخرجُ بالطبع وبعفويَّة من الإنسان والحيوان على السَّواء، كالأصوات التي تخرجُ عند الطرَب والخَوف والغضَب، وبين تلك التي تخرجُ بقصدٍ إرادةَ الإفهام، وتوصيل ما في الأذهان، وهي الحروفُ التي منها يتألَّفُ الكلام، وتخصُّ الإنسان، قال:"فإن الإنسانَ وسائرَ الحيوان المصوِّتة، لها بالطِّباع في كلِّ حال من أحوالِها اللَّذيذةِ أو المؤذِيَةِ نَغَمٌ تَستَعْمِلُها، وهذه سوى الأصوات التي"
(1) الموسيقى الكبير ص 112 - 113.
(2) الموسيقى الكبير ص 214 - 215.
(3) الفيزياء للأدباء ص 227.
(4) الموسيقى الكبير ص 1075 - 1079.