التي بعد العيد ليصدق عليه أنه أتبعها وحيث أنه جاء في الحديث:"بست من شوال"فإنه يصدق عليه أنه يجزئ من شوال كله من وسطه أو من آخره أو من أوله.
وتجزئ متتابَعَة، وتجزئ متفرقة. الكل جائز؛ لأن الجميع يصدق عليها أنها من شوال، متابعتها كما عرفنا والابتداء بها أولى.
تكلم العلماء أيضا على ما إذا كان عليه قضاء، فهل يبدأ في القضاء أو يبدأ بأيام الست؟ نقول: يبدأ بالقضاء ولو استغرق القضاء صيام الشهر. لو كان امرأة مثلا نفست في رمضان فأفطرت الثلاثين يوما ولم تطهر إلا في عشر من شوال. في هذه الحال صامت عشرين من شوال قضاء عن رمضان وبقي عليها من رمضان عشرة تصومها من ذي القعدة. فهل تفوت عليها هذه الست؟ الصحيح أنها تقضيها أو تصومها من ذي القعدة؛ لأن رمضان في حقها صار في شوال.
وهكذا مثلا من أفطر لعذر إذا استمر به المرض مثلا، وأفطر رمضان كله، ولم يشفى إلا في شهر محرم فإنه يقضي، يقضي مثلا في شهر صفر ثلاثين يوما. يحب أن يصوم هذه الستة حتى يحصل له صيام الدهر يصومها بعد الإنتهاء من قضائه. الحاصل فيها كلام وبحث.
بعد ذلك صيام شهر المحرم. مشهور قوله - صلى الله عليه وسلم -"أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله الذي تدعونه المحرم"يعني هو الشهر الأول من السنة الهجرية. ويسمى شهر عاشوراء؛ لأن اليوم العاشر منه يسن صيامه، والشهر كله يسن أن يتقرب فيه بالصيام؛ ولأنه أحد الأشهر الحرم المذكورة في قوله تعالى: {مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} .
وإذا أراد أن يفرد منه فأفضله اليوم العاشر ثم التاسع. اليوم العاشر يسمى يوم عاشوراء، وردت فيه أحاديث كثيرة مختلفة اختلافا كثيرا، يمكن تقرءونها في"منتقى الأخيار"وشرحه"نيل الأوطار"، مختلفة اختلافا كثيرا.
ولعل السبب أنه دخل فيه الكذب. سبب الكذب أن الرافضة لما قتل الحسين في يوم عاشوراء ولَّدوا فيه أكاذيب كثيرة في شؤم هذا اليوم. ولدرجة أنهم إلى هذا اليوم يحزنون فيه ويذكرون أنه يوم مشئوم. ويعملون فيه مآتم وأشياء محرمة. ثم إنه قابلهم من يعرفون بالنواصب. فوضعوا فيه أيضا أحاديث أخرى، أحاديث كثيرة، وضعوا أنه يوم شريف، وأن فيه يحصل كذا، وأن فيه يحصل كذا، وأن من اكتحل فيه ومن ادهن فيه، ومن وسَّع فيه على أهله، ومن تطيب فيه يريدون بذلك مراغمة الرافضة.
فصار هذا اليوم لعبة بين هولاء الضدين، الروافض والنواصب، هؤلاء كذبوا فيه، وهؤلاء كذبوا. فلأجل ذلك توجد فيه هذه الأحاديث المختلفة. الذي صح فيه عن النبي -صلى الله عليه وسلم هو الصيام"أنه كان يصومه ويأمر بصيامه"ويخبر بـ"أن صيامه يعدل أو يكفر سنة".
فأما تلك الأشياء المختلفة فهي من وضع تلك الطائفتين. ولا يلتفت إلى أقوالهم. في صحيح مسلم"قيل: يا رسول الله إن اليهود يصومونه"يعني إنك تصومه الآن موافقا لهم.
فقال:"لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع"فلذلك فإن بعض العلماء يرى أن التاسع ناسخ للعاشر، ولكن لعله غير ناسخ، وأن الحكم باقٍ فيه. أنه يصوم التاسع والعاشر ثم ورد أيضا حديث:"صوموا يوما قبله أو يوما بعده خالفوا اليهود"وورد في رواية"صوموا يوما قبله ويوما بعده"لذا هذا هو الذي صح به يسن أيضا.
صوم التسعة الأيام الأولى من شهر ذي الحجة؛ لما ورد فيها من فضل كثير. فضائل كثيرة مذكورة في كتب الفضائل. يعني منها الحديث الذي ذكره البخاري"ما من أيام العمل الصالح فيها أفضل من هذه الأيام .."إلى آخره. آكده يوم عرفة. يوم عرفة هو آكد أيام التسعة وهو اليوم التاسع، يسن صيامه إلا للحجاج الذين وقفوا بعرفة، فإن الأفضل للحاج أن يفطر ولا يصوم إلا لسبب.
كما إذا لم يجد الهدي وصام السابع والثامن والتاسع، فأما غيره فإن الأفضل لهم أن يفطروا ليتقووا على الدعاء؛ ولأنهم ضيوف الله -تعالى- والكريم لا يُجَوِّع ضيوفه.
فأما غير الحجاج فإن صومه فيه فضل. حتى ورد"أنه يكفر السنة الماضية والسنه الباقية".