فهرس الكتاب

الصفحة 155 من 722

في هذه الأزمنة قد يوجد من هذه حالته يمكن أن يقول إن البعير ليس مثل السيارة فالسيارة مركبها مريح وكذلك الطائرة، ولكن يوجد بعض كبار الأسنان إذا ركب السيارة أغمى عليه، فلا يستطيع أن يركبها طويلا، وكذلك الطائرة ونحوها يغمى عليه فلا يستطيع أن يفيق ولا يتمكن من الثبات فيعتبر هذا معذورا في أن يقيم من يحج عنه، ويشترط في المرض أنه لا يرجى برؤه، إذا قرر الأطباء أن هذا المرض قد يستمر معه إلى الموت، وليس فيه أمل أنه يشفى، فعليه -والحال هذه- أن يقيم من يحج عنه، وكذلك العمرة.

ثم قوله:"من حيث وجب"أي يقيم من يحج عنه من حيث وجب، ويكون ذلك من ماله من حيث وجب يعني: من بلاده التي وجب عليه أن يحج منها، ولا يجوز من أقرب منها مثلا التكلفة تختلف باختلاف البلاد، فتكلفة الحج من الرياض مثلا ثلاثة آلاف ذهابا وإيابا بما في ذلك الفدية ونحوه، وتكلفة الحج من جدة، أو من الطائف ألف، أو نحوها، فإذا كان الذي عجز عن الحج لمرض، أو لكبر أنه من أهل الرياض أقاموا من يحج عنه من الرياض، ولا يجوز أن يقيم من يحج عنه من الطائف ولا من المدينة ولا من جدة؛ وذلك لأن تلك التكلفة أقل، وهو مكلف بأن يحج من هذه البلاد، ونقول كذلك أيضا في من هو من خارج البلاد من خارج المملكة.

فإذا وجب عليه الحج مثلا وهو من أهل قطر، أو من أهل الكويت التكلفة هناك قد تكون أكثر قد تبلغ مثلا خمسة آلاف، أو ستة لا يجوز أن يقيم من يحج عنه من الرياض ولا من المدينة؛ لأنها أقل فلا يقول سوف يؤدى الحج كاملا إلا إذا لم يخلف إلا تركة قليلة فإنه يحج عنه من حيث بلغت تلك التركة، وكذلك أيضا لو قدر أن إنسانا سافر للحج فلما وصل مثلا إلى الطائف، أو قريبا منه توفي قبل الإحرام في هذه الحال يقام من يحج عنه من أهل الطائف أي أنه قد قطع هذه المسافة، أو كذلك هذا إذا كان الحج فرضا.

وأما إذا كان تطوعا فيجوز أن يقيم من يحج عنه، ولو من أهل مكة؛ لأن التطوع تضرع فإن برأ هذا المريض قبل إحرام النائب لم يجزئه الحج عنه لزمه -والحال هذه- أن يحج بنفسه؛ لأنه زال عذره، أما إذا لم يبرأ إلا بعد ما أحرم نائبه فإن حجته مجزئة حجة النائب، والحاصل أنه إذا وكل من يحج عنه ويعتمر عنه ثم برأ قبل أن يحرم النائب في الحج، أو العمرة بطل التنويب، ولزمه أن يحج بنفسه، وأما إذا أحرم النائب قبل برئه أو برأ بعد ذلك فإن حج النائب يكفي.

وهاهنا أيضا نتكلم على الإنابة؛ لأنها وقع فيها تساهل؛ وذلك لأن كثيرا من الناس اتخذوها حرفة وأرادوها للتجارة، ويسمونها حج البدل، ويأتون من مكة يقولون: أعطونا بدل حج، أعطونا حج بدل فنقول لهم: إن الحج إنما يحج من البلد التي فيها المحجوج عنه، فأنتم الآن حججتم إلى الرياض، الحج إلى مكة، كيف تأتون لأجل هذا نعرف بذلك أنهم ما أرادوا بذلك إلا المال.

والدليل على ذلك أنهم يماكسون إذا قيل لهم نعطيكم مثلا: ألفين؛ لأن حجكم إنما هو إلى مكة، ولا ترجعون إلى الرياض، قالوا: إن فلانا يعطي ثلاثة آلاف، أو فلان يعطي أربعة آلاف، فيدل على أنهم ما قصدوا إلا المال، نقول لك: لا تُنَوِّب إلا من يريد الحج لا من يريد المال.

صورة ذلك إنسانا فقير يحب أن يحج بنفسه ويشارك الحجاج في تلك المواسم ويكون ممن تنزل عليهم الرحمة وممن يباهي الله -تعالى- بهم الملائكة ولكنه فقير ليس عنده ما يُبَلِّغه، وما يرده يتمنى أن يحج، ولكنه ليس بقادر مع أنه قد حج فريضة الإسلام فهذا إذا أخذ المال أخذه لأجل الحج، لن يحج لأجل المال، فمثل هذا يعطى نيابة، وعليه أن ينفق منها في حجه نفقة ذهابه وإيابه وفديته وتنقلاته، وما بقي منها يرده على أهله على أهل الحاج إلا إذا سمحوا، هذا هو الأصل، وهذا قليل الذين يعملون بذلك.

قد قلنا قبل مثلا خمس وعشرين سنة كان الحاج يكفيه أجرة ذهابه مائة ريال، إركابه ذهابا وإيابا، ويكفيه من النفقة مثلا ذهابا وإيابا خمسون ريالا، أو سبعون ريالا ثم مازالوا يزيدون ويزيدون إلى أن صاروا يطلبون ألوف فعرفنا بذلك أن مثل هؤلاء يتخذون الحج مهنة وتجارة يريدون به المال، فلا يجوز إعطاؤهم؛ لأن من عمل عملا؛ لأجل المال بطل أجره؛ لقول الله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15) } ولقوله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (20) } وفي الحديث:"تعس عبد الدنيا تعس عبد الدرهم"يعني الذي يعمل الأعمال من أجل الدنيا، عرفنا بذلك أن الإنابة في الحج إنما تجوز لمن يأخذ المال؛ لأجل الحج ليس يحج من أجل المال.

شروط حج المرأة

وشرط لامرأة مَحْرَم أيضا فإن أيست منه استنابت.

بعد ذلك ذكر أنه يشترط للمرأة في وجوب الحج أن يوجد لها محرم أن يكون معها محرم، هذا هو قول الجمهور، ورد أنه - صلى الله عليه وسلم - قال:"لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة ثلاث إلا ومعها ذو محرم"وفي حديث آخر"لا يحل لامرأة تؤمن بالله وباليوم الآخر أن تسير مسيرة يومين إلا ومعها ذو محرم"وأقل ما ورد في ذلك مسيرة يوم.

هذه أدلة الجمهور وذهب المالكية إلى أنه يجوز أن تحج مع نسوة ثقات ذكر مالك ذلك في موطئه وقال: إن الحج فريضة، وهذه مستطيعة من حيث المال والمحرم إنما هو شرط، والفرض يقدم على الشرط، وقد عرف أن سبب الفرض سبب المحرم إنما هو الخوف عليها من الوقوع في الفاحشة ونحوها، فإذا أمنت بأن كانت مع نسوة ثقات، فلا حرج ولا خوف عليها.

هكذا يعلل المالكية وزمانهم أيضا كان المالكية يأتون من أقصى المغرب من بلاد المغرب ومن بلاد أفريقيا، ومن الأندلس ونحو ذلك؛ لأن أولئك كلهم مذهبهم مذهب مالك، فكانوا يرسلون نساءهم بدون محرم في السفن، ويشترطون أن يكون معها ثقات من النساء، ومع ذلك فإن الخطر موجود.

يمكن أن يتساهل في هذه الأزمنة إذا أيست ولم تجد محرما، يمكن أن يتساهل إذا حجت في السيارات الكبار الحافلات التي يفصل فيها بين الرجال والنساء بحاجز، ولا يحصل اختلاط، وإذا نزلوا يكون النساء جميعا في خيام والرجال في خيام، والمدة قصيرة مثلا ستة أيام، أو سبعة أيام مدة الغيبة نجيب بهذا للتي لا تجد محرما مثل الخادمات كثيرا ما يشترط أهلها على من استخدمها تمكينها من الحج أي: أن يمكنوها من أداء الحج؛ لأن أهلها في بلادهم لا يقدرون لفقرهم وعجزهم، فإذا شرط على المستخدم فالوسيلة أن يرسلها مع الحملات الذين معهم نساء وثقات مأمونات ويفصلون النساء من الرجال.

فأما إذا وجدت محرما فليس لها أن تحج إلا مع محرم، فإن أيست استنابت يعني إذا أيست من وجود محرم فإنها تنيب من يحج عنها، هذا في الأزمنة القديمة التي تكون الحجة فيها مدتها شهرين، كما ذكرنا، أما في هذه الأزمنة فلعل الأمر أخف.

موت القادر على الحج قبل أن يحج أو يعتمر

وإن مات من لزماه أخرج من تركته.

يقول:"إن مات من لزماه أخرجا من تركته"يعني الضمير يعود إلى الحج والعمرة إذا مات من كان قادرا وفرَّط حتى فات عليه، أو مات قبل أن يحج ويعتمر لزم إخراج نفقة عام من تركته، أو يحج عنه أحد أولاده ذكورا، أو إناثا فإذا لم يجد من يحج عنه أخرج من التركة وتخرج من رأس المال وتكون كأنها دين؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - شبه ذلك بالدين في قوله:"أرأيت إن كان على أمك دين أكنت قاضيه؟"فدل على أنها تخرج من رأس المال لا من الثلث. فتخرج من رأس المال كأنها ديون الآدميين، وإذا كان قد أوصى بالثلث أخرج بعد ذلك الثلث ثم بعده يقسم الباقي على الورثة هذه مقدمات بين يدى أعمال الحج.

الفقهاء أيضا يذكرون ما يلزم مَن سافر إلى الحج أحكام السفر، كما ذكر ذلك النووي -رحمه الله- في رسالته التي في مناسك الحج ولكن تغيرت الأحوال؛ لأن السفر قديما كان يستغرق كما قلنا أشهرا وفي هذه الأزمنة لا يستغرق إلا أياما.

سنن الإحرام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت