فهرس الكتاب

الصفحة 154 من 722

ثم الوجوب إنما هو مرة واحدة في العمر، وما زاد على ذلك فهو تطوع، إذا أدى الحج مرة واحدة أجزأ عنه، فلما فرض الحج بقوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} خطب النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"إن الله كتب عليكم الحج فحجوا. فقال الأقرع بن حابس: أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال: لو قلت: نعم لوجبت ولما استطعتم. الحج مرة فما زاد فهو تطوع".

ثم هل الحج على الفور أم على التراخي. نختار أنه على الفور يعني ساعة ما تتم الشروط، وساعة ما يتمكن الزمن الذي تتم فيه الشروط، ويتمكن يجب عليه بحيث يُعَدُّ مُفَرِّطًا إذا أخَّره وبحيث يعد مَلُومًا إذا تغيرت حالته، فمثلا لو أنه في سنة ثمانية عشر قدر يعني تمت الشروط في حقه، واستطاع أن يحج، ولكنه أهمل الحج وتركه بغير عذر ثم في سنة التاسع عشر عجز فسد ماله مثلا، وخسرت تجارته، وأصبح عاجزا ماليا نقول: إنه ملوم حيث تمكن وفرَّط، وأن عليه إثم بتأخيره وتفريطه.

ونقول مثلا: لو مات بعد أن قدر وهو لم يحج لزم إخراج نفقة الحج من رأس المال كما سيأتي؛ وذلك لأنه قدر وفرَّط حتى مات ذهبت الشافعية إلى أنه على التراخي واستدلوا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخر الحج إلى سنة عشر.

والجواب أنه لم يتمكن إلا تلك السنة فإنه في سنة ثمان لما فتحت مكة كان منشغلا بالوفود، وكانت أيضا مكة ما طهرت من عادات المشركين، ولما كان في سنة تسع أرسل أبا بكر ومن معه من الحجاج ليطهروا مكة فصاروا ينادون بأول سورة براءة {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1) } فيقولون لهم: {فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} إلى قوله: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} فكانوا ينادون"لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان".

ذلك لأنه كان في عاداتهم في الجاهلية يطوفون وهم عراة، فلما أن طهر البيت في سنة تسع حَجَّ سنة عشر وكمل الله -تعالى- له الدين، فهو دليل على أن الحج على الفور؛ لأنه ما تمكن إلا في سنة عشر.

ثم قوله:"فإن زال مانع حج بعرفة، أو مانع عمرة قبل الطواف، أو فُعِلا إذن وقعا فرضا"مثال ذلك عرفنا أن موانع الحج الرق والصغر.

فإذا مثلا أحرم العبد بالحج، وأحرم الصغير بالحج، ولما أحرما قَدِمَا مكة وطافا طواف القدوم مثلا وذهبوا إلى منى مع أهليهم ووقفوا بعرفة وفي يوم عرفة عتق الرقيق، وهو بعرفة، فكمل حجة أجزأته حجته عن حجة الإسلام، وكذلك بلغ الصغير. احتلم مثلا حكم ببلوغه إن صح حجه إذا كانوا أهله، أو مثلا الصغير ما كان محرما ولما احتلم في عرفة مثلا، أو في ليلة مزدلفة رجع وأحرم ووقف بعرفة ثم رجع إلى مزدلفة، وكمل بقية المناسك إذن صح حجه عن الفريضة.

فهذا معنى: زوال المانع، وكذلك مثلا لو أسلم الكافر بعرفة، ثم أحرم وكمل المناسك صح حجه، أو عقل المجنون بعرفة، وأحرم وكمل المناسك صح حجه عن الفريضة. العمرة قد عرفنا أنها فريضة فلو قدر مثلا أن العبد أحرم بالعمرة وعتق قبل بدءه بالطواف، ثم طاف وسعى بعد العتق إن صحت عمرته فريضة، وكذلك الصبي إذا احتلم، والمرأة مثلا إذا حاضت قبل أن تطوف ثم طافت بعدما طهرت للعمرة وكملت النسك صح حجها وحج الصبي وعمرته عن الفريضة.

العاجز لكبر، أو مرض لا يرجى برؤه يقيم من يحج عنه ويعتمر عنه من حيث وجب، العاجز لكبر يقول مثلا: أنا لا أستطيع، فيقيم من يحج عنه ثبت في الصحيح قصة المرأة التي من خثعم قالت:"يا رسول الله، إن فريضة الحج قد أدركت أبي شيخا كبيرا لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: نعم".

وقاس ذلك بالدين بمعنى أنها عرفت أن الفريضة وجبت عليه؛ وذلك لأنه عاقل وفاهم ومكلف؛ ولكن لكبره لا يستطيع أن يثبت على البعير لا يستطيع أن يتماسك يحتاج من يمسكه فأمرها بأن تحج عنه بعد حجتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت