مني، واعف عني، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت، أو ما تيسر من هذا الدعاء. هذا روي بعضه، وبعضه قالوه استحسانا، يرفع بذلك صوته إن كان رجلا، والمرأة تخفي صوتها.
بعد ذلك يطوف مضطبعا للعمرة المعتمر، وللقدوم غير المعتمر، يعني: كالقارن والمحرم.
الاضطباع أن يجعل وسط الرداء تحت منكبه الأيمن، أي: تحت إبطه وطرفيه على عاتقه الأيسر، فيبدي ضبعه وكتفه الأيمن، ويستر الأيسر.
والطواف أن يبدأ من الحجر الأسود إن تيسر له قبله، والتقبيل أن يضع شفتيه عليه من غير تصويت، فإن لم يتيسر له استلمه بيده، وقبلها، فإن لم يتيسر استلمه بعصا إن كان معه عصا، أو محجن وقبّلها، فإن شق ذلك عليه اكتفى بالإشارة ولا يقبل شيئا فيحاذيه، ويكبر، ويسير، عندما يستلم، أو يقف عنده يدعو بما ورد.
مما ورد أن يقول: بسم الله، والله أكبر، اللهم إيمانا بك، وتصديقا بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعا لسنة نبيك - صلى الله عليه وسلم -. يسن أن يقول ذلك كلما استلم الحجر، أو كلما حاذاه، يقول ذلك عندما يحاذيه ويستلمه.
ثم يرمل الأفقي في هذا الطواف ثلاثا -ثلاثة أشواط-، ويمشي أربعا؛ الرمل: وهو إسراع المشي مع مقاربة الخُطا، وأول ما شرع في عمرة القضية: لما أن المشركين اتفقوا مع الصحابة على أن يرجعوا في الحديبية سنة ست قبل أن يكمِّلوا عمرتهم، على أن يعتمروا في ذي القعدة سنة سبع، فجاءوا سنة سبع، فلما قدموا، المشركون من أهل مكة يحقدون عليهم، فقالوا:"إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتهم حُمَّى يثرب"-يثرب: المدينة-، يعني: يريدون بذلك أن يقللوا من شأنهم أمام سفهائهم حتى لا يكون لهم قدر، وحتى لا يهابونهم.
"فبلغت هذه المقالة النبي - صلى الله عليه وسلم - فأمر أصحابه بالرمل؛ ليظهروا بذلك قوتهم، وجلدهم، وقف المشركون عند جبل قعيقعان في الجانب الشمالي، فصاروا ينظرون إليهم وهم يرملون، فقالوا: كيف تقولون: إنهم وهنتهم الحمى، ما هم إلا كالغزلان"يعني: في سيرهم.
رملوا ثلاثة أشواط، ثم لما جاء في سنة عشر، وحج النبي - صلى الله عليه وسلم - وطاف أول طواف رمل ثلاثة أشواط ومشى أربعا، ولعله أراد بذلك إحياء تلك السنة، وتذكر قولة المشركين القدامى، والحرص على غيظ المشركين.
إذا تيسر للحاج أن يرمل فعل ذلك، فإن لم يتيسر للزحام، فإنه يسير إذا تيسر أن يرمل، ولو أنه يطوف بعيدا في طرف الحجاج والطائفين فهو أفضل، فإن شق عليه طاف بدون رمل، يطوف سبعة أشواط، يدعو بما تيسر.
ليس لكل شوط دعاء مخصوص، الأدعية التي نذكرها في بعض المناسك؛ دعاء الشوط الأول، دعاء الشوط الثاني ليست إلزامية، هي أدعية لا بأس بها، وأدعية مأثورة، ولكن يجوز الدعاء بها، ويجوز الدعاء بغيرها.
بعد ما ينتهي من سبعة الأشواط يصلي؛ يسن أن يصلي خلف المقام -أي: مقام إبراهيم- إن كان مقام إبراهيم في جهة الشرق في موضوعه الآن، وكان عليه بناية ومظلة يصلون فيها في شدة الحر، ولكن لشدة الزحام والمضايقة أزيلت تلك البناية، وبقي المقام عليه هذا السجاد الذي يحميه، وصار الناس يصلون خلفه، وإن لم يكن هناك مظلة، وجعلت الحكومة في الرحبة كلها، وفي هذا الصحن بلاطا أبيض، لا يكتسب الحرارة، ولا يحس من يقف عليه بشيء من الحرارة، فيصلي خلف المقام، فإن لم يتيسر صلى، ولو بعيدا، ولو قرب مدخل زمزم، أو نحو ذلك، يعني: في جهة الشرق، هذه الصلاة ركعتين سنة مؤكدة، ليست واجبة تبع الحج، ولكنها من السنن المؤكدة، وقد دل عليها قول الله -تعالى-: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} .
وفي حديث جابر الطويل لما طاف النبي - صلى الله عليه وسلم - تأخر خلف المقام، وقرأ هذه الآية: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} فصلى هناك ركعتين، بعد ذلك يبدأ بالسعي.
ذكروا أنه بعدما يصلي ركعتين يرجع إلى الحجر الأسود فيستلمه، وهذه السنة قد يقال: إنها سنة تُركت، ولكن يفعلها الإنسان ما استطاع، يرجع -مثلا- بحسب استطاعته حتى يحاذي الحجر، ثم يشير إليه، ثم يخرج إلى الصفا.
كان هناك باب محاذٍ للحجر من جهة الجنوب الشرقي يسمى باب الصفا يدخلون منه، ثم يتوجهون إلى الصفا، وكان الصفا والمروة خارجا عن حد المسجد، يعني: لهما حينا خاص.