وفي هذه التوسعة الكبيرة أدخلا فيه، وجعل سور المسجد وراء المسعى، إذا خرج من هذا الباب، أي: من جهة باب الصفا توجه إلى الصفا، ثم بدأ بالسعي؛ يبدأ بالصفا، يرفع حتى يرى البيت؛ إما أن يراه، وإما أن يحاذي من يراه، قد لا يراه بسبب البناية، بسبب العمد والسواري، فإذا رآه استقبله وكبر ثلاثا، يعني: تكبيرات متوالية، ثم يقول ما ورد.
مما ورد أنه يقول:"لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير"ويقول:"لا إله إلا الله وحده أنجز وعده، أو صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده"وإن زاد بقوله:"فلا شيء قبله ولا بعده"ويدعو بما أحب، ثم يقرأ الآية: {* إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ (( (( (( (( (( اللَّهِ} الآية، ثم يقول:"نبدأ بما بدأ الله به"هكذا ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم -.
فإذا قال ذلك نزل وتوجه إلى المروة ماشيا حتى يحاذي العلم الأخضر، كان هناك علمان، والآن جعل في أصل الحائط، يعني: مثل العمود أخضر، وجعل فيها -أيضا- نجفات خضر، علمان، هذان العلمان كان مهبط وادي، يعني: أدركناه قبل خمسين سنة كان نازلا، وكانوا إذا نزلوا فيه يسرعون؛ لكونه مجرى واد.
الحكومة صرّفت الأودية، وجعلت لها مجار، وجعلت الطريق مستويا، ولكن من باب إحياء السنة أن يسعى بين العلمين، ولو لم يكن منهبطا، يسعى بين العلمين سعيا شديدا إذا استطاع، إذا وجد سعة، فإن كان هناك زحام فلا يستطيع مشى بقدر ما يستطيع، فما بين العلمين محل سعي.
بعد ذلك يمشي من العلم الثاني إلى المروة يرقى على المروة، يقول ما قاله على الصفا من التهليل والتكبيرات ونحوها، ثم ينزل متوجها إلى الصفا، فإذا جاء إلى ما بين العلمين سعى يمشي في موضع مشيه، ويسعى في موضع سعيه.
السعي سبعة أشواط ذهابه سعيه، ورجوعه شوط؛ يبدأ بالصفا، ويختم بالمروة، لو بدأ بالمروة لم يحتسب بذلك الشوط.
بعدما ينتهي، إذا كان متمتعا يكون قد أنهى عمرته، وكذلك إذا كان معتمرا فيتحلل المتمتع الذي ليس معه هدي قد قلده، فيقصر شعره، ويترك الحلق حتى يحلقه للحج وهو أفضل، وإن حلق فلا بأس.
إذا كان المتمتع معه هدي فإنه يدخل الحج على العمرة، ويبقى على إحرامه حتى يتحلل منهما معا؛ لأنه يمنعه الهدي من التحلل، وذلك لأنه - صلى الله عليه وسلم - لما قدم مكة هو وأصحابه كان بعضهم معه هدي، مثل أكابر الصحابة: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، وأبي طلحة، وغيرهم من أثرياء الصحابة، معهم هدي؛ بعضهم خمسون بدنة، بعضهم خمس، بعضهم عشر، بعضهم غنم قد قلدوها، وأكثرهم ليس معهم هدي، فلما قدم الذين معهم هدي منعهم هديهم من التحلل، والذين ليس معهم هدي أمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتحلل مع أنهم أحرموا مفردين، فقال لهم:"اجعلوا إحرامكم عمرة"يسمى هذا: الفسخ، فسخ الحج إلى العمرة.
أمرهم بأن يطوفوا، ويسعوا، ويتحللوا، وذلك في اليوم الرابع من ذي الحجة، فبقوا متحللين اليوم الرابع والخامس والسادس والسابع، وأول اليوم الثامن أحرموا بالحج، ثم توجهوا إلى منى -كما سيأتي- الذين معهم هدي لم يتحللوا، إما أنهم أحرموا قارنين بالحج والعمرة، أو أنهم أحرموا بالعمرة، ثم منعهم الهدي من التحلل فأدخلوا عليه الحج، أو أنهم أحرموا بالإفراد مفردين وبقوا على إفرادهم، ويكون هذا الهدي هدي تطوع؛ لأن المفرد ليس عليه فدية.
فالحاصل أن الذي معه هدي لا يتحلل، بل يبقى على إحرامه، لكن يمكن إذا قدم مبكرا أن ينحر هديه؛ لأنه يجوز الهدي في غير الحج، سَوق الهدي يجوز في غير الحج، يعني: لو اعتمر -مثلا- في رمضان، وساق معه هدي؛ بدنة، أو بدنتان، أو عشر، أو غنم، أو بقر فإنه إذا انتهى من عمرته ذبحها، وتصدق بلحمها، وأكل منه،