لماذا سمي يوم التروية؟ لأنهم يرتوون فيه من المياه، أي: أنهم يملئون ما معهم من القرب، والمزادات التي يجيئون بها من بلادهم، يملئونها من الماء، حيث لا يوجد في تلك الأزمنة الماء، لا في منى، ولا في مزدلفة، ولا في عرفة، يعني: غالبا، فسموه يوم التروية.
وفيه يمكن في القرن الثاني، أو الثالث وجدت المياه، يعني: بعمليات كان لها تأثير، يعني: احتيج فيها إلى أتعاب، وإلى مشقة إلى أن أوصل الماء إلى تلك الأماكن، أو ضمن جداول يسير معها، ويكون فيها فتحات إلى أن يمر بالمشاعر كلها؛ يمر بمنى، ويمر بمزدلفة، ويمر بعرفة. هذا في القديم.
ثم في عهد الحكومة، يعني: اعتنت بالمياه في تلك الأماكن، وأمنتها في أيام المناسك، وأيام المشاعر بواسطة المواسير التي امتدت، وصارت في كل الأماكن، والحمد لله.
في يوم التروية الذين كانوا قد تحللوا، يحرمون بالحج، والذين بقوا على إحرامهم، يعني: الذين ما تحللوا، يعني: كالمفرد والقارن إذا كانوا نازلين بالأبطح يتوجهون مع الحجاج إلى منى.
في تلك الأزمنة كانت منى خالية ليس فيها أحد إلا يوم التروية وما بعده، أمَّا في هذه الأزمنة فالمشاهد أن الأبطح وما حوله لم يبق فيه مساكن للحجاج؛ امتدت المباني والعمارات إلى أن وصلت إلى منى، أو تجاوزت منى من الجهات الأخرى، إلا أنه منع من البناء في المشاعر.
فهذه الأماكن أصبحت مملوكة، أصبح الحجاج الذين يأتون حتى ولو بأول الشهر يستقرون في منى في مخيمات لهم يبنونها حين يأتوا من حين يأتوا من أول الشهر، أو من اليوم الثاني، أو الرابع، أو الخامس، أو حتى الذين يأتون في اليوم السابع، أو الثامن يأتون إلى منى، ويستقرون فيها هذه الأيام كلها.
فعلى هذا لا يكون ليوم التروية ميزة على الأيام التي قبله لمن كان مفردا، أو قارنا، وأما من كان متمتعا فإنه يحرم من منى، بدل ما كان يحرمون من الأبطح، يحرمون من منى؛ لأنهم في منى مستقرين.
بعض العلماء قال: يستحب أن يحرم تحت الميزاب، يعني: ميزاب الكعبة، ولكن الصواب أنه لا حاجة إلى ذلك، وأن هذا لم يرد، وأن فيه مشقة على الناس. الميزاب لا يتسع مثلا إلا لواحد، أو اثنين، فكيف يكلف مئات الألوف أن يذهبوا إلى تحت الميزاب، فيحرموا منه، والصحابة أحرموا من رحالهم، ومن أمكانهم التي كانوا فيها، ثم ذكروا أنه عند هذا الإحرام يفعل مثلما فعله عند الميقات، أي: إذا تيسر له اغتسل، وتنظف، وتتطيب، وأخذ من شعر شاربه، ومن أظفاره إذا خاف أنها تطول، وتؤذيه، وقد ذكرنا أن هذا التنظف يفعل عند الحاجة، إذا كانت أظافره طويلة، وهكذا شعر شاربه، أو عانته فإنه يتعهدها عند الإحرام.
وذكرنا أن الإحرام في تلك الأزمنة تطول مدته فيخشى أن تطول هذه الأشعار، أو هذه الأظفار فتؤذيه، وأما في الأزمنة فإن مدة الإحرام لا تطول بالعمرة، إنما هو نصف يوم، أو نحوه، فإذا لم تكن طويلة فلا حاجة إلى تعهدها، ويقال كذلك عند الإحرام بالحج، ولا شك أنه يستحب الاغتسال؛ لأنه من باب النظافة.
وقد تقدَّم في الأغسال المستحبَّة في كتاب"الغسل"أنه يسن الاغتسال عند الأعمال الصالحة؛ فقالوا: يسن الاغتسال عند الميقات، والاغتسال عند دخول مكة، والاغتسال عند إرادة الطواف بالبيت، والاغتسال عند الإحرام بالحج، والاغتسال عند الوقوف بعرفة، أي: عند دخول الوقت، والاغتسال للوقوف بمزدلفة، والاغتسال لدخول منى، والاغتسال لرمي الجمار، والاغتسال لطواف الإفاضة، ونحو ذلك، كما تقدم في باب الغسل.
وقد عرفنا أن الحكمة في الاغتسال إنما هي النظافة؛ فإذا كان البدن نظيفا، والإنسان حديث عهد بنظافة فلا حاجة إلى هذه الاغتسالات، يمكن أنهم يستحبونها؛ لأنهم في ذلك الوقت في شدة حر لا توجد معهم مكيفات ولا مراوح كهربائية، فيشق عليهم الوقوف في شدة الشمس، فيحتاجون إلى أن يغتسلوا ليخففوا الحرارة عليهم، فهذا هو السبب.
يعني: تلك الأماكن كانت شديدة الحر: منى، مزدلفة، وعرفة، الحر فيها شديد، والشمس حارة إذا كان في وقت الصيف، أو حتى في وقت الشتاء، فلذلك أكثروا من ذكر الأغسال المستحبة للمُشعر.
والحاصل أنهم يحرمون في يوم التروية، فإحرامهم عند الميقات، قبل الإحرام يصلي ركعتين إذا لم يكن في وقت نهي، وينوي بها سنة وضوء، أو سنة اغتسال، ونحو ذلك، يسن أن يحرموا في الضحى، حتى تأتي عليهم الصلوات الخمس في منى، وهم محرمون.
مبيتهم بمنى ليلة عرفة، اختلف في حكمة، والصحيح أنه مستحب ومؤكد، وذهب بعض العلماء إلى أنه ركن، وقالوا: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحابته باتوا بمنى ليلة عرفة، توجهوا إلى منى كلهم من الأبطح، ونزلوا بمنى كل الحجاج