فهرس الكتاب

الصفحة 185 من 722

الذين معهم، وناموا بمنى حتى طلعت الشمس في اليوم التاسع، ثم توجهوا إلى عرفة وهو - صلى الله عليه وسلم - كان يقول لهم:"خذوا عني مناسككم"يعلمهم ذلك دائما،"خذوا عني مناسككم"ولا شك أن هذا دليل على أن أفعاله التي فعلها أنها من مشاعر الحج، فلذلك قال بعض العلماء: إنه من الأركان لا يتم الحج إلا به.

والقول الثاني: أنه من الواجبات التي تجبر بدم؛ من ترك المبيت بمنى يوم التروية، وليلة عرفة، فعليه دم؛ لأنه ترك واجبا.

والقول الثالث: أنه من السنن المؤكدة، والذين جعلوه من السنن؛ كما هو المشهور عند أحمد حيث لم يذكر في الأركان، ولا في الواجبات، بل جعلوه من السنن، كأنهم استدلوا بقوله - صلى الله عليه وسلم -"الحج عرفة؛ من فاته الوقوف بعرفة فاته الحج"واستدلوا -أيضا- بحديث عروة بن مضرِّس الذي قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم -"من شهد صلاتنا هذه -يعني بمزدلفة-، ووقف معنا حتى ندفع، وكان قد وقف قبل ذلك بعرفة ساعةً من ليل، أو نهار فقد تم حجة، وقضى تفثه"وهو حديث مشهور صحيح، لكن لعله لما لم يذكر المبيت بمنى أراد أن هذا شيء معهود، وشيء معروف مشهور.

ومع آكديته والخلاف فيه نرى كثيرا يتساهلون في هذه الليلة، أو في هذا اليوم -يوم الثامن-، وبالأخص المطوِّفون؛ نشاهد أنهم يأخذون حجاجهم من مساكنهم بمكة في اليوم الثامن، ويتوجهون بهم إلى عرفة، ويستقرون بعرفة اليوم الثامن، وليلة التاسع، واليوم التاسع إلى أن تغرب الشمس في اليوم التاسع، ثم يذهبون بهم إلى منى، وهذا تساهل؛ يعني: ترك هذا الركن، أو هذا الواجب، أو هذه السنة المؤكدة التي هي الإقامة بمنى في ذلك اليوم.

ننتبه إلى أنه من آكد السنن إذا قلنا: إنه سنة، أو إنه من الواجبات -كما سمعنا- فالمبيت بمنى يوم التروية، مؤكد -كما سمعنا-.

الإقامة في منى؛ يقيمون فيها، وهم محرمون. الأعمال في ذلك اليوم هي أعمال المحرمين؛ يكثرون من التلبية؛ لأنهم محرمون بالحج، وكذاك -أيضا- يصلون فيها قصرا، الرباعية يقصرونها ركعتين؛ لأنهم على أهبة السفر، ولا يجمعون، بل يصلون كل صلاة في وقتها، يأتون بما أمروا به من شعائر الحج.

فمن ذلك: التلبية بعد كل صلاة عندما ينتهون من أي صلاة يرفعون أصواتهم بالتلبية.

ومن ذلك -أيضا- كثرة الذكر، وكثرة الدعاء؛ لأنهم قد تلبثوا بهذا الإحرام الذي هو عمل من أعمالهم الذي جاءوا به، فلذلك يكثرون من التلبية، ومن الدعاء، ومن الذكر.

متى يذهبون إلى عرفة؟ إذا طلعت الشمس صبح يوم عرفة -اليوم التاسع- توجهوا إلى عرفة، وفي طريقهم -أيضا- يذكرون الله -تعالى-، ويلبون، يقفون بعرفة، وكل عرفة موقف إلا بطن عُرنة، وعرفة واسعة جدًّا، يمكن أنها تمتد في جهة الشمال نحو أربع كيلو عن الجبل الذي هو جبل الرحمة، ومن الجهة الجنوبية نحو اثنين كيلو، أو ثلاث، ومن الجهة الغربية نحو ثلاث كيلو فتكون ممتدَّة، وشرق الجبل -أيضا- قد يكون إلى الجبال الطويلة.

واختلف في نَمِرة، هل هي من عرفة أم لا؟ فأكثر العلماء يقولون: إنها ليست من عرفة، وذلك لأنها اختصت باسم، أنها اسمها: نَمِرة.

والقول الثاني: ولعله الأرجح أنها من عرفة، أنها جزء من أجزاء عرفة، وقد ورد ما يدلُّ على ذلك؛ فمن ذلك قوله في حديث جابر الطويل، يقول: فلما طلعت الشمس سار إلى عرفة، حتى أتى عرفة فوجد القبة، وقد بنيت بنمرة كلمة: أتى عرفة، يعني: دخل حدود عرفة، ولا شك أن هذا دليل على أنه وصل إليها، وتكون القبة فيها، وفي جزء من أجزائها يقال له: نمرة.

وفي حديث -أيضا- مشهور يقولون فيه: إنه وقف بنمرة، أو نزل بنمرة، وهو الموقف الذي يقف فيه، أو ينزل فيه الإمام في عرفة في حديث صحيح مروي في السنن وفي المسند، وغيرها، ويدل على أنها من عرفة استثناء بطن نمرة في قوله - صلى الله عليه وسلم -"عرفة كلها موقف إلا بطن عرنة".

فعرنة -أيضا- من عرفة إلا ما كان من البطن، يعني: مجرى الوادي، فإنه ليس من عرفة، يعني: لا يوقف فيه. وفي حديث آخر أنه قال:"عرفة كلها موقف، وارفعوا عن بطن عُرنة"يعني: وارتفعوا عنه، فعرنة ممتدة غربًا، فهي وراء نمرة التي فيها المسجد المشهور -مسجد نمرة-، فنمرة بين عرفة وعُرنة؛ فقوله:"ارفعوا عن بطن عرنة"ولم يقل: ارفعوا عن نمرة إنما استثنى بطن عرنة، فهو دليل على أن عرفة واسعة، وأن من جملتها نمرة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت