ويستثنى فقط البطن يعني: الوادي؛ الوادي الذي هو منخفض الآن هذا هو الذي لا يوقف فيه، وأما ما وراءه، ولو مسيرة كيلو، أو نحوه في جهة مكة، وكذلك في الجهات الأخرى، فإنه موقف.
الناس يتضايقون كثيرًا، يعني: الحدود التي قد حددت في هذه الأزمنة فيها شيء من التضييق، وقد حُددت من جهة الجنوب، ومن جهة الغرب، ومن جهة الشمال والشرق، فصار فيها شيء من الضيق، وجعلوها من باب الاحتياط، فيأتي الناس مبكرين، يعني: قبل عرفة بخمسة أيام، أو بعشرة، ثم يتوازعون في تلك البقعة التي هي داخل الحدود، ويبقى بقية الناس ليس لهم أماكن فنقول: إن عرفة واسعة، وإنما لم يجد في داخل الحدود وقف ولو بعد الحدود كما يقولون ذلك في منى، يقفون وراء الحدود ولا حرج عليهم؛ لأن عرفة واسعة، ولأن هذه الحدود جعلت من باب الاحتياط.
ولأنهم معذورون حيث لم يجدوا مكانا، فلذلك يرخص لهم ولا يشددوا على أنفسهم، ولا يكلفوا أنفسهم بالدخول في داخل الحدود مع عدم الحصول على أماكن متسعة لهم، فقط لا يسكنون في الوادي المنخفض. فأما ما حوله فلا حرج في ذلك.
إذا وصلوا إلى عرفة، واستقروا فيها، فإنهم يكثرون من الدعاء، يكثرون من الذكر، والدعاء، والتكبير، والتلبية ونحو ذلك، فإذا دخل وقت الظهر بعد زوال الشمس صلوا الظهر والعصر جمعا، وقصرا في وقت الظهر جمع تقديم، وهكذا فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - جمع في وقت الظهر. لماذا؟
ليطول وقت الوقوف، وذلك لأنه بعدما صلى قبل أن يصلي خطب خطبة طويلة، علَّم الناس فيها أحكامَهم وعلَّمهم الشرائع، وبين لهم كثيرا من الأحكام، فلأجل ذلك يسن أن يخطب إمامهم -للمسلمين-، وأن يعلمهم الأحكام التي تتعلق بالمناسك، وكذلك التي تتعلق بالأوامر والنواهي مما قد يخفى عليهم، فإنه -عليه الصلاة والسلام- وضع ربا الجاهلية، قال:"كل ربا في الجاهلية هو موضوع"يعني: ساقط ووضع دماء الجاهلية في خطبته، وكذلك حثهم على الكثير من الأحكام، وعلمهم الحلال والحرام
فهكذا تكون الخطبة في ذلك، ثم بعد ذلك وقف على بعيره -على ناقته القصواء-، واستمر واقفا عليها حتى غربت الشمس، وهو رافعا يديه يدعو الله -تعالى-، وكان وقوفه شرق الجبل الذي يقال له: جبل الرحمة، عند الصخرات الكبار، وقال:"وقفت هاهنا، وعرفة كلها موقف"وأرسل إلى بعض الصحابة الذين كانوا بمكان بعيد، وقال لهم:"الزموا أماكنكم، فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم"فأقرهم على أماكنهم، رغم أنهم بعيدون من جبل الرحمة، وذلك من بعض التسهيل عليهم حتى لا يزدحموا في أماكنهم، يضايق بعضهم بعضا 0
يوم عرفة تعرفون أنه أفضل الأيام؛ يجتمع فيه الحجاج بعرفة، وكلهم في حالة واحدة، وكلهم قد ارتدوا هذه الأكسية التي هي أكسية الإحرام، قد كشف الرجال رءوسهم، وقد لبسوا هذا اللباس الموحد الذي هو أشبه بلباس الموتى، الذي هو إزار ورداء، وكذلك -أيضا- قد اتحدوا على هذا اللباس؛ ليس هناك فرق بين الغني والفقير، وبين الصغير والكبير، وبين الشريف والوضيع، ولا بين الأحمر والأسود والأبيض ونحوهم، بل كلهم على حالة واحدة وكلهم في موقف واحد. الحكمة في ذلك، أن يشعروا بأنهم سواسية، أي: يجمعهم الإسلام يجمعهم دين واحد، يعبدون ربًّا واحدا.
وكذلك -أيضا- يقصدون مقصدا واحدا، وهو ثواب الله -تعالى- ورضاه، وجنته، والسلامة والنجاة من عذابه، فلا جرم أمروا بأن يكثروا من الأدعية التي تتيسر لهم، وليس شرطا أن تكون مأثورة ومنقولة، بل يدعون بما أحبوا. معلوم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استمر يدعو رافعا يديه، استمر في الدعاء، يعني: من حوالي الساعة الواحدة، أو قريب منها إلى الساعة السادسة والنصف، أو السابعة، وهو يدعو، يعني: ست ساعات، أو نحوها.
لا بد أنه يدعو هل نقل لنا دعاؤه كله في الست ساعات؟ ما نقل لنا مما دل على أنه أباح لكل منهم أن يدعو لنفسه، وأن يدعو بما تيسر له. في هذه الحالة، يدعو الله -تعالى-، ويسأله خيري الدنيا والآخرة، وكذلك يكثر من التلبية، أي: يكرر التلبية، حين بعد حين، وكذلك يكثر من التكبير المأثور:"الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله"إلى آخره.
وهكذا -أيضا- يتلو الآيات التي فيها تمجيد الله -تعالى- والثناء عليه، وذكر صفاته، مثل: آخر سورة الحشر، وأول سورة الحديد، وكذلك آيه الكرسي، وآيتان من آخر سورة البقرة، ونحو ذلك، ويكثر من الأدعية المأثورة التي في القرآن، يرددها، ويكثر منها، ويكثر -أيضا- مما يحفظه من الأدعية المأثورة التي في السنة.