فهرس الكتاب

الصفحة 187 من 722

كذلك -أيضا- يرفع يديه، ذلك لأن رفع اليدين سبب من أسباب إجابة الدعاء كما في حديث سلمان أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"إن ربكم حيي كريم، يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا"يعني: خاليتين، وثبت في حديث أنه - صلى الله عليه وسلم -"كان رافعا يديه يدعو، وخطام الناقة في يده اليمنى، فسقط منه الخطام"يقول الراوي:"فرأيته رافعا يده اليسرى وقد مد يده اليمنى، ليتناول الخطام"مما يدل على أنه استمر في رفع يديه، أي: طوال ذلك الوقوف رافعا يديه، وقد عرفنا أنه من أسباب إجابة الدعاء.

كذلك -أيضا- يكثر من التلبية؛ لأنها شعار الحج، ويكثر من التكبير، وما أشبه ذلك.

في هذه الأزمنة قد لا يتيسر لهم ركوب الدواب، وقد فاتنا أن نحج على الرواحل، ولكن حدثنا آباؤنا الذين كانوا يحجون على الإبل أن الإبل يصفونها في ذلك المكان، وأنهم من شدة طول مقامهم يدعون، ويبكون في دعائهم، وأن الإبل في -يعني- من الله -تعالى- أنها يسيل من أعينها الدموع، أي: تدمع في ذلك الموقف، يشاهدون ذلك؛ إما أن الله -تعالى- ألقى عليها الهيبة والخشوع، وإما أن هذا سبب من الأسباب.

في هذا الموقف الذي هو يوم عرفة ينبغي للحجاج أن يظهروا حاجتهم، وفاقتهم، وفقرهم إلى الله -تعالى-، ويظهروا الخشوع، والاستكانة، والاستضعاف بين يدي ربهم؛ رجاء أن يقبل منهم.

ورد في الحديث:"أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي -عشية عرفة-: لا اله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو على كل شيء قدير"لما روى بعض الصحابة هذا الحديث، سأله أحد تلامذته، فقال: هذا ليس بدعة، هذا ثناء على الله فكيف قال: أفضل الدعاء: دعاء عرفة؟ فأجابه: بأن الثناء يقوم مقام الدعاء، واستدل بقول الشاعر يمدح ابن جدعان:

أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... جزاؤك إن شيمتك الفداء

إذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرفه الثناء

كأنهم يستحبون أن يأتوا بهذا الدعاء، أو بهذا الشعر؛ لأن فيه استضعافا لله -تعالى- ولو كان الشاعر وجهه إلى آدمي، فأنت إذا قلت: يا ربِّ لا حاجة إلى أن أذكر حاجتي، وأنت أعلم بما أحتاج، وبما أطلب فأعطني حاجتي من غير سؤال، أثني عليك، وأذكرك، وأمدحك بما أنت أهله، فيكفني أن أمدحك، وأثني عليك، ويكفي ذلك لإعطائي حاجاتي، وفي قضاء حوائجي التي أنا بحاجة إليها في دنياي، وفي أخراي.

ويسمع -أيضا- كثيرا منهم ينشدون أبياتا -أيضا- بها شيء من التذلل والاستضعاف؛ مثل قول بعضهم:

يا من يرى مد البعوض جناحه ... في ظلمة الليل البهيم الأليلي

ويرى مناط عروقها في نحرها ... والمخ في تلك العظام النحلي

امنن علي بتوبة تمحو بها ما ... قد مضى لي في الزمان الأولي

وهكذا لا شك أن هذا موطن الدعاء، وأنه الذي يباهي به الله -تعالى- بهم ملائكته، وورد في الحديث أن الله -تعالى- يقول:"يا ملائكتي: انظروا إلى عبادي، أتوني شعثا غبرا، ضاحين+ من كل فج عميق، يدعونني، يرجون رحمتي، ويخافون عذابي، أشهدكم أني غفرت لهم، ووهبت مسيئهم لمحسنهم، فانصرفوا مغفورا لكم"أو كما ورد فوصفوا بأنهم شعثا غبرا.

أي: أنهم من طول عهدهم بالتنعم والترفه سارت رءوسهم منتفشة، وسارت وجوههم مغبرة، وساروا شاعثين، فكان ذلك أقرب إلى انكسار قلوبهم، وإلى رغبتهم في فضل ربهم -سبحانه وتعالى-.

استدرك هنا؛ لأنه مما يغلط فيه كثير من الناس، نشاهد أن الكثير في يوم عرفة، كأنهم في بلادهم يخوضون، ويتكلمون فيما بينهم، ويضحكون، وليس لهم إلا أنهم عهدوا إلا أن هذا الموقف كأنه سائر المواقف، ولا شك أن هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت