خطأ، وأن الواجب عليهم أن يجعلوه يوم عبادة، لا يوم عادة ولا يوم ضحك، ولا يوم خوض في الشيء الذي لا أهمية له، ولا فائدة فيه، بل من حين يصلوا الظهر إلى أن تغرب الشمس يشتغل كل فرد بنفسه، يدعو بما تيسر من الأدعية، يدعو بما يحفظه وما كان لديه.
وكتب الأدعية متوفرة والحمد لله، يعني: الكتب التي بها أذكار مثل: الكلم الطيب لابن تيمية، والوابل الصيب -أيضا- لابن القيم، والأذكار للنووي وغيرها من الكتب التي تذكر بها الأدعية العامة والخاصة، ومثلها -أيضا- كتب متأخرة؛ وأفضلها كتاب الأذكار، الذكر الذي جمعه واختاره الملك عبد العزيز، ويسمى:"الورد المصفى المختار"يدعو منه بما تيسر.
وقت الوقوف بعرفة من فجر يوم عرفة إلى فجر النحر، إلى فجر يوم النحر، معني هذا: أن من جاء ووقف في أول النهار بعد طلوع الفجر صدق عليه أنه وقف بعرفة، ودليل هذا في حديث عروة بن مفرج قوله:"وقد وقف قبل ذلك بعرفة ساعة من ليل، أو نهار"هكذا ذكر ساعة من ليل، أو نهار كلمة، أو نهار تعم النهار كله، أي: من طلوع الشمس إلى غروبها، وكذلك قوله: من ليل، الليل تعم ليلة عيد النحر كلها؛ أي: من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، فمن وقف في هذا كله، ولو ساعة فإنه يعتبر قد وقف بعرفة.
وقد بالغ العلماء في ذلك حتى قال بعضهم: لو مر بعرفة، وهو محرم، ولكنه غافل لم يشعر أنها عرفة فسار منها، حتى قطعها في ليلة النحر، أو في يوم عرفة صح أنه وقف بها، وحتى لو كأن نائما، أو كان غافلا، إذا كان قد عقد الإحرام.
وهناك قول ثان: أن وقت الوقوف من الزوال، يعني: بعد زوال الشمس يكون الوقوف هكذا، وهذا القول يستدلون عليه بأنه - صلى الله عليه وسلم - ما وقف إلا بعد الزوال، بعدما صلى الصلاتين، وهذا القول هو الذي نصره كثير من المتأخرين، وقالوا: إن من وقف بعرفة في أول النهار لا يعتد بوقوفه؛ لأنه خرج منها قبل أن تزول الشمس، فلا يعتد بوقوفه، ولا يكون كأنه وقف فيها، ولا يكون قد تم حجه.
ولكن لعل القول الأول هو الأولى، يعني: أن يوم عرفة كلها من طلوع الفجر، أو من طلوع الشمس -يوم عرفة- إلى طلوع فجر يوم النحر، أن الجميع كله وقت للوقوف لما ذكرنا من حديث عروة بن مضرس وغيره، ثم بعد ذلك يدفعون بعد الغروب إلى مزدلفة.
ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - والحجاج معه لما غربت الشمس توجهوا إلى مزدلفة، وكان يقول لهم:"أيها الناس: السكينة، السكينة"وكانوا يسرعون، فيحصل منهم مضايقات في بعض الأماكن الضيقة، وكان - صلى الله عليه وسلم - يسير على ناقته، يسير عليها، وقد أخذ بزمامها شنكلها+، فكان كذلك، إلا إذا أتى حبلا من الحبال المرتفعة، أرخى لها، وكان -كما قالوا- يسير العنق، أي قدر العنق، فإذا وجد فجة متسعة نص، يعني: أسرع.
كان المسافة بين عرفة ومزدلفة تستغرق بسير الأقدام، أو بسير الإبل ساعتين مع السير المتوسط، أو ساعتين ونصف، فكانوا يسيرون سيرا سريعا، أو سيرا متوسطا، فلما وصلوا كان قد دخل وقت العشاء، يعني: وصلوا بعد ساعتين من غروب الشمس، أو بعد ساعتين ونصف، فجمعوا بين العشاءين جمع تأخير.
ولعل السبب أنهم كانوا قد طال وقوفهم، وأحبوا المبيت لطول الوقوف، ولمشقة السير، يعني: أنهم على رواحلهم -مثلا- من الساعة الواحدة بعد الظهر، حتى الساعة التاسعة من الليل، ولا شك أن هذا زمن طويل، يعني: ثماني ساعات، شقوا على أنفسهم، فلما وصلوا إلى مزدلفة أناخوا رواحلهم، وحطوا رحالهم، ثم صلوا العشاءين وأراحوا أنفسهم.
في هذا الأزمنة يحصل -أيضا- اختلاف عن ما كانوا عليه في الزمان القديم، الواقع أن بعض الناس يسيرون سيرا سريعا من عرفة، ففي أربع دقائق، أو خمس دقائق يصلون إلى مزدلفة، فكيف يصلون؟
نقول: يصلون جمع تقديم، ولا يلزمهم أن يؤخروا إلى وقت العشاء؛ لأنه ورد أنهم يصلون ساعة ما يصلون، وآخرون بضد ذلك من شدة الزحام لا يصلون إلا نصف الليل، أو ثلث الليل، أو آخر الليل، يصلون -أيضا- إذا وصلوا، ويمكن أن هناك بعض قد يخشون طلوع الفجر ما وصلوا، فهؤلاء يصلون في الطريق.
ومن المشايخ من يقول: يصلون في الطريق إذا خشوا أن يفوت وقت الاختيار، يعني: إذا مضي نصف الليل، وهم ما وصلوا فيصلون في الطريق، كيف يصلون والسيارات مزدحمة أمامهم وخلفهم، وعن الجانبين؟ كيف يصلون؟ المشاهد أنهم قد يقفون في الموقف الواحد نصف ساعة، أو ثلث ساعة ما يتحركوا، والمشاهد -أيضا- أنهم