لا يقطعون مسافة أنهم -مثلا- في النصف الساعة يقطعون مسافة عشرة أمتار، أو نحوها فإذا وقفوا في هذه الوقفة، نزلوا ذكورا وإناثا، والأرض واسعة، وصلّوا فيها حتى لا تفوتهم الصلاة، حتى لا يؤخروها عن وقتها.
القائد إذا رجعوا نزل وقاد السيارة واحد غيره إلى أن يصلي مع من بقي، هذا هو الذي أفتي به مشايخنا، والحاصل أنهم إذا أملوا أن يصلوا قبل نصف الليل، أو بعد نصف الليل بقليل أخروا الصلاة ممكن إلى ثلثي الليل، أخروها إلى أن يصلوا، وإلا صلوها بالطريق، حتى لا يفوت وقتها.
ثم المبيت بمزدلفة؛ المبيت بمزدلفة واجب من الواجبات كما سيأتي، وذهب بعضهم إلى أنه ركن واستدلوا بقول الله -تعالى-: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} والمشعر الحرام هو مزدلفة.
هذا الأمر يدل على الوجوب: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ} عنده، يعني: فيه، والأكثرون على أنه من الواجبات التي إذا تركها جبر بدم، الآن يبقى أن كثيرا يفوتهم الوقوف بمزدلفة، أو المبيت بمنى، المبيت بها؛ لأجل الزحام يتوجهون من عرفة، ولشدة الزحام قد لا يصلون إلى مزدلفة إلا بعد الصباح. فهل عليهم دم والحال هذا؟ نرى أنه لا دم عليهم، وذلك لأنهم بذلوا وسعهم وتوجهوا كما يتوجه غيرهم، ولم يستطيعوا أكثر مما حصل، لكن إن كان بعضهم أقوياء يستطيعون مواصلة السير إذا رأوا أن السير يتأخر بهم، فاستطاعوا أن يواصلوا السير بأقدامهم مسيرة ساعة، أو ساعة ونصف حتى يصلوا إلى مزدلفة، فهو أفضل، والعجزة والنساء ونحوهم يكونوا يسقط عنهم بقدر ما بذلوه من الجهد.
في مزدلفة يقع خطأ من كثير الذين يتعجلون أن كثيرا منهم يجلسون فيها ساعة، أو نصف ساعة، ثم يسيرون إلى منى، وهذا خطأ، وكثير من الناس إذا كان معهم نساء؛ نصفهم، أو ثلثهم نساء ادّعوا أن لهم عذر، فتوجهوا إلى منى، وتركوا المبيت؛ يبيتون يجلسون ساعة، أو ساعة ونصف، ثم يتوجهون إلى منى، لا شك أنه قد وردت الرخصة للظعن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رخص لأم سلمة، ولسودة أن تفيضا، أن تنشرا في آخر الليل، حتى لأنها ثبطة+، وتخشى من حضرة+ الناس. هذه الرخصة خاصة بمن هذه حالته، أما بقية الصحابة، وبقية أمهات المؤمنين فإنهم بقوا.
كذلك -أيضا- رخص لبعض الشباب أن يذهبوا مع بعض النساء، ومنهم ابن عباس - رضي الله عنه - يقول: إنه من جملة الذين أذن لهم أن ينشروا آخر الليل، ولكنه جعل يضرب أفخاذهم، ويقول:"أي بني لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس"فدل على أنه رخص لمثل لهؤلاء، فلا تكون الرخصة عامة للناس كلهم.
فيتنبه إلى أن الأصل المبيت بمزدلفة إلى الصباح، كما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون معه، إذا صلى الصبح أتى المشعر الحرام؛ المشعر: هو الجبل الصغير الذي عنده المسجد، ولكن تسمى مزدلفة كلها بالمشعر الحرام، يرقاه، ويقف عنده، ويحمد الله، ويكبر، ويذكر، ويقرأ قول الله -تعالى-: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ} الآية، ويكثر من الدعاء حتى يسفر، وإذا لم تيسير لبعد الموقف -المكان-، فإن مزدلفة كلها موقف؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -"وقفت هاهنا، وجمع كلها موقف"جمع: هي مزدلفة، يعني: أن كلا منهم وقفوا في أماكنهم، فيصلون في أماكنهم، ويدعون الله -تعالى- حتى يسفروا، إن كان المشركون يقفون بمزدلفة إلى أن تشرق الشمس على غدير؛ الجبل الذي يقع شرق شمال المزدلفة، الجبل المرتفع، فيقولون: أشرق غدير كيما نقير+، فخالفهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأفاض من مزدلفة قبل أن تشرق الشمس، أي: بعدما أسفر جده.
ثم بعدما يتوجه من مزدلفة يسير -أيضا- كما يسير من عرفة إلى مزدلفة سيرا معتادا، إن كان في هذه الأزمنة الناس يسيرون على السيارات، والسير على السيارات يختلف عن السير على الرواحل، إذا وصلوا إلى وادي مُحَسِّر أسرعوا رمي حجر؛ وادي مُحَسِّر: حاجز فاصل بين منى ومزدلفة، وليس هو من المشاعر، قالوا: إنه قدر رمية حجر، يمكن أن يكون هنا مثل عشرة أمتار، والآن كان حدوده، ولكنه جعلوه أربعين مترا من بعض