فهرس الكتاب

الصفحة 238 من 722

جلوس الإمام، فإذا نودي للصلاة بالنداء الثاني حرم البيع والشراء، ومن باع واشترى، فالبيع باطل، قال تعالى: {وَذَرُوا الْبَيْعَ} أي: اتركوا البيع، والنهي يقتضي الفساد.

استثني صاحب الحاجة إذا كانت الحاجة ملحة، شديدة بأن يكون -مثلا- هو بحاجة إلى ثوب يستتر به في الصلاة، يفاجأ بمن يبيعه امرأة أو نحوها، فإنه يشتري ذلك ويصح، وكذلك لو اشترى -مثلا- طعاما وكان جائعا شديد الجوع جاز شراؤه؛ لأنه مضطر، أما مَن لا تلزمه الجمعة كالمرأة والصغير فإنه لا حرج في بيعه أو شرائه بعد النداء.

أما سائر العقود فتصح، عقد النكاح يصح بعد النداء -نداء الجمعة-، وكذلك عقد الوقف، وعقد الخلع، وعقد العتق؛ لأنه ليست في جنس البيع، ولا تدخل في مسماه، لا يصح بيع ما يستعان به على معصية، فإذا عرفت -مثلا- أن إنسانا يشتري منك عصير العنب ليعمله خمرا حرم عليك بيعه، أو يشترى منك عنبا ليعصره ويعمله خمرا حرم عليك أن تبيعه؛ وذلك لأنه مساعدة له على المنكر، والله تعالى يقول: {وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}

وكذلك السلاح في فتنة بين المسلمين، إذا عرفت -مثلا- أنه يشتري منك هذا السيف ليقتل به مسلما، أو هذا الرصاص، أو البارود ليقاتل به المسلمين فحَرُم عليك أن تبيعه، وما ذاك إلا أنه يقتل به بريئا، فإذا بعته أعنته على منكر.

وكذلك لا يجوز بيع عبد مسلم على كافر إذا لم يعتق عليه، أما إذا عتق عليه كأبيه، أو أخيه، أو ابنه فيصح، إذا أسلم عبد وكان سيده مسلما، فإنه لا يجوز أن يباع على كافر إلا إذا كان الكافر ممَّن يعتقه إذا اشتراه؛ لأن العبد إذا اشتراه أبوه عتق، أو اشتراه ابنه عتق، أو اشتراه أخوه أو عمه أو خاله يعتق عليه، فأما إذا كان لا يعتق عليه لكونه ابن عمه -مثلا- أو ابن خاله فلا يجوز بيعه عليه؛ وذلك لأن فيه إهانة للمسلم، قال الله تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (141) } إذا تولى عليه وهو مسلم، فلا بد أنه يؤذيه، ولا بد أنه يهينه ويمتهنه، ويشق عليه.

يقول:"ولا يصح بيعه على بيع أخيه، وشراؤه على شرائه، وسومه على سومه"، ورد في النهي قوله - صلى الله عليه وسلم -"لا يبيع بعضكم على بيع بعض"لا يبيع المسلم على بيع أخيه،"ولا يخطب على خطبة أخيه"وصورة ذلك: إذا رأيت جارك باع ثوبا بعشرة، أشرت إلى المشتري، وقلت: ردَّه وأن أبيعك مثله بتسعة؛ فيردَّه لأجل رخص الثمن، وكذلك لو رأيت جارك اشترى شاة، أو سمنا، وباعه ذلك المالك بمائةٍ -مثلا-، ثم إنك رغمته فأشرتَ إلى البائع، وقلت له: استرجع شاتك أو دهنك، وأن أشتريها منك بأكثر، أنا أدفع لك في الشاة مائتين، أو مائة وخمسين، وكذلك في الدهن ونحوه، حمله ذلك على أن استعاد تلك السلعة طمعا في هذا الثمن الذي زدته عليه، لا شك أن هذا فيه ضرر للمسلم، العلة في ذلك أنه يسبب العداوة والبغضاء بين المسلمين؛ لأنك إذا أفسدت عليه صفقته حَقَد عليك، قد باع هذا الثوب بعشرة بيعا جازمًا، ولما باعه أشرت إلى المشتري، وقلت: إن أعطيك مثله بتسعة فخذ ثوبك، ورد عليه الدراهم، ولا يدري ما السبب، عرف أن السبب كونك أنت جاره، ومع ذلك أفسدت عليه هذا المشتري.

وكذلك أيضا الشراء على شرائه عرض عليه ثمن، فاشتراه على شرائه عرض عليه سمن فاشتراه بمائة، وقبل أن يتفرقا دعوت صاحب السمن، وقلت: استرجعه السمن، وأن أعطيك مائة وعشرة؛ فاستعاده، لا شك أن هذا يعتبر أيضا يعتبر ضررا؛ لأنه قد جزم على الشراء، قد اشترى -مثلا- هذا السمن بمائة، فأنت أفسدت عليه العقد، وطالبته بمائة وزيادة؛ فتكون بذلك قد أبطلت عليه تجارته، أو أضررت به.

والحاصل أن هذا أو ونحوه من جملة ما جاء الشرع لينهى عنه، يعني: الأشياء التي فيها ضرر للطرفين، والعلة في ذلك ما يسببه من العداوة والبغضاء، والحقد بين المسلمين، وإثارة الشحناء بأن يقول: فلان كلما اشتريتُ شيئا لمز صاحبه، وزاد علَيَّ، أو اشتراه من صاحبه بعدما اشتريته، كلما بعت على أحد الزبائن أشار إليه، واجتذبه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت