في صنعة مباحة كحجامة -مثلا- أو حياكة أو حلاقة، كما هو مشاهد أن الحلاقين يستأجرون دكانا، ويحلق كل واحد منهم، ويشتركان في الكسب بينهم.
أو اشتركا في البناء، يعني: يبنيان للناس بالأجرة، في بناء عمارات أو منازل عادية أو -مثلا- أسواق أو مساجد أو مدارس، يشترك جماعة، ويأخذونها مقاولة -مثلا- أو نحو ذلك، ثم يعطون عمالهم ما يستحقون، والبقية يقتسمونه بينهم، يصح ذلك.
وكذلك لو اشتركا في حرث كالعمال الذين يشتركون في سقي نخل، ثم يصرمونه ويبعونه، ويعطون صاحبه نصيبه، ويشتركان في الباقي، وكذلك لو اشتركا في معمل، أيّ معمل يعمل، فنشاهد أهل الورش -مثلا- يكونون شراكة، وأهل النقل سيارات الأجرة وسيارات النقل أو القلابات وما أشببها، قد يكونون شركة.
فالحاصل أن شركة الأبدان شركة يكثر الاحيتاج إليها، ويكثر وقوعها في الناس، والناس على ما يتعارفون فيه، وثم لو أن إنسانا أعطى -مثلا- كيسه ليطحن عند هؤلاء الطحانين جاز له أن يطالب الثاني؛ لأنهما مشتركان في هذا الطاحون، وأعطاه -مثلا- خبزه ليخبزه، أي: في فرن، فجاز أن يطلبه من الثاني، يقول: أعطيت شريكك كيس دقيق كي يخبز، فأنت مطالب به؛ لإنك وإياه شريكان، أو-مثلا- أعطاه سيارته؛ ليصلحها، في هذه الورش وغاب صاحبه الذي أعطاه، فإنه يطالب يطلب سيارته، أو يطلب إصلاحها من الآخرين، فيقول: أنجزوها، فإنكم سواء في هذا المكان في هذا المصنع.
أعطى ثوبه واحدا، وجاء ولم يخطه، يطالب الآخرين بخياطته، ويقول: أنتم سواء في هذا المكان، فعليكم أن تنجزوه، أعطاهم -مثلا- خشبا؛ لينجره بابا أو حديدا؛ ليصلحه بابا، فإنه يطالب كل واحد منهم بإنجاز هذا العمل، ولا يقولون: إنك لست صاحبنا، أو لسنا الذين أخذنا منك هذا العمل، بل عليهم أن ينجزوا هذا العمل الذي يتقبله واحد منهم؛ لأنهم كلهم معتمدون في هذا المكان، هذا معنى قوله: فما تقبله أحدهما لزمهما عمله، وطلبا به.
تقبل واحد -مثلا- أن يبني هذا الجدار، فأصحاب الجدار يطالبون الثاني ويطالبون الثالث، ويقولون: أنجزنا ما التزمت به، إذ تقبل الواحد منهم -مثلا- حفر هذه البئر يطالب الجميع أن يحفروها، وأن ينجزوا هذا الحفر، وهكذا لو أعطى الثوب واحدا، فله أن يطالب الثاني بإنجاز خياطته أو بإنجاز غسله أو نحو ذلك، ويطالب كل منهما بما تقبله الآخر.
يقول:"وإن ترك أحدهما العمل لعذر أو لغير عذر فالكسب بينهما"؛ وذلك لأنهما متفقان على أن الكسب بينهما، فلو قدر أن أحدهما تخلف يوما، أو سافر يوما، أو أياما لأمر عارض، والبقية يشتغلون في هذه الورش -مثلا- أو في هذه العمارة، فإن الكسب بينهم جميعا؛ وذلك لأنهم مستوون في أنهم استأجروا هذا المكان، وتقبلوا هذه الأعمال، والعادة أنهم يتسامحون، في من غاب يوما أو يومين، يعذرونه لا سيما إذا كان له عذر، وقد يتغيب كسلا -مثلا- أو تعاجزا، لا شك أيضا أنه معذور، يعني: والكسب بينهما، ولكن لو اتفقا على أن من غاب، فإنه ينوب من يقوم مقامه لزمه، سيما إذا سافر سفرا بعيدا، أو مرض مرضا مزمنا أو طويلا، فإن عليه أن ينوب مكانه.
وإذا احتاج أحدهما من الشركة أخذ شيئا، فإنه يكون قرضا حتى يقتسما فيخصم من نصيبه يقول: ويلزم من عذر أو لم يعرف العمل أن يقيم مقامه بطلب شريك، إذا كان -مثلا- مريضا، أو انشغل بعذر، فقال شريكه: المكان يحتاج إلى عمال، فعليك أن تقيم مقامك من يعمل؛ فإن العمل مشروط بيننا.
نحن جميعا نعمل يكون الكسب بيننا، يلزمه أن يأتي بعامل على حسابه، ويعطيه أجرته من نصيبه ليقوم مقامه.
وهكذا لو لم يكن يحسن الصنعة، يعني: قد لا يحسن بعضهم الحلاقة -مثلا- أو الخياطة ففي هذه الحالة لا بد ممن يقوم مقامه إذا طالبوه، إذا قالوا له: أنت لا تحسن هذه الصنعة، لا تحسن الطباعة أو التسجيل -مثلا- إذا كان مسجلا، ولا تحسن الحياكة، ولا تحسن النجارة، فأنت الآن اشتركت معنا عملا بدنيا، ولا تشتغل نحن الذين نشتغل في هذه الأمور الهندسية، ونحوها يلزمه أن يقيم من يقوم مقامه في العمل الذي يعجز عنه أو الذي لا يحسنه إذا طالبه بذلك شركاؤه.
الضرب الخامس شركة المفاوضة: وهي أن يفوض كل إلى صاحبه كل تصرف مالي، ويشتركان في كل ما يثبت لهما وعليهما، فتصح إن لم يدخلا بها كسبا نادرا، كأن شركة المفاوضة تعم جميع الشركات جميع الشركات المتقدمة.
وصورتها: أن ينضم كل واحد إلى الآخر، فيقول: نحن شركاء في المال الذي بأيدينا، ونحن شركاء في الكسب الذي نكسبه، بأبداننا، ونحن شركاء فيما نتدينه بذممنا، ونحن شركاء فيما نحصل عليه من المباح، من الكسب المباح