من صيد أو ما أشبه ذلك، كل واحد يفوض الآخر، فيقول: فوضتك فيما يحصل، وفيما تجده، ويقول: الآخر أنا فوضتك، فيفوض كل منهما إلى صاحبه كل تصرف، ويعم ذلك أيضا التصرف الذي تدخله النيابة، ولكن لا يجوز أن يفوضه في كل شيء تحت تصرفه؛ لأنه لو قال ذلك لتسلط عليه، فقد يطلق زوجته، ويقول: إنك فوضتني، ويهتك عرضه، ويقول: أنت فوضتني، ويهب أمواله، ويتصدق بها، ويقول: إنك فوضتني، أنا مفوض من فلان، إنما التفويض فيما هو معتاد أن يفوضه أحدهما إلى الآخر، فكأن هذه شركة تعم جميع أنواع الشركة التي يمكن أن تدخل في اسم شركة، يفوض كل منهما إلى صاحبه كل تصرف مالي.
ففي هذه الحال ينفذ تصرفه كوكيل، فيبيع من مال من فوضه، ويشتري له -مثلا-، ويضارب بماله، ويتاجر به، ويزارع به، ويتَّجر فيه بحسب العادة، فيكون شريكا في كل ما يملك، ويكون مفوضا في كل ما يملك.
يشتركان في كل ما يثبت لهما، وعليهما ويشتركان في كل ما يثبت لهما، لو أهديت إلى أحدهما هدية صارا شريكين فيها، أو صاد أحدهما صيدا صارا شريكين فيها -مثلا-، أو ربح أحدهما في تجارة في بيع صارا شريكين فيها.
وكذلك أيضا إذا لزم أحدهما شيء، فإنهما يدفعانه، فلو أتلف أحدهما أحرق أحدهما ثوبا -مثلا- أو أفسده ضمناه جميعا، وكذلك كل ما يتلفه أحدهما أو استدان أحدهما دينا، فإنهما جميعا يقومان بقضائه، ولصاحب الدين أن يطالب من يشاء منهما، لكن لا يدخلان فيها كسبا نادرا.
إذا أدخلا فيها كسبا نادرا، فإنها لا تعتبر، أو يكون هذا الكسب النادر مثل للكسب النادر بلقطة أو كنز أو ميراث، فتفسد، ويكون لكل منهما ربح ماله وأجرة عمله؛ وذلك لأنه إذا وجد أحدهما لقطة، وعرفها وصار لها قيمة، وملكها، فهذا مال زائد، وكذلك -مثلا- لو مات قريب أحدهما؛ فورث منه مائة ألف، أو نحوها، فهذا المال كسب نادر، فلا يكونان شريكين فيه.
ثم يقول: وكلها جائزة، ولا ضمان فيها إلا بالتعدي أو التفريط، قد عرفنا الفرق بين الجائزة واللازمة، إن الجائزة هي التي يلزم الأخذ فيها، ولا يتمكن من فسخ اللازمة، أما الجائزة هي التي يجوز فسخها. المساقاة
وننتقل إلى المساقاة: تصح المساقاة على شجر له ثمر يؤكل، وعلي ثمرة موجودة بجزء منها، وعلي شجر يغرسه، ويعمل عليه حتى يثمر بجزء من الثمرة، أو من الشجر أو منهما.
هذا تعريف المساقاة: مشتقة من السقي؛ وذلك لأن أهم ما يعمله المساقي هو إخراج الماء من الآبار وإصلاح الأنهار والجداول حتى تشرب الأشجار.
فمثاله: إذا كان له نخل وعجز عن سقيه، فقال لآخر: اسقه، والثمرة بيننا، اسقه والثمرة بيننا، اسقه وزبره -مثلا- ولقحه واصرمه، ولك نصف الثمرة أنا الذي غرسته، وعملت عليه حتى نبت، وأثمر، ولكني الآن منشغل، عاجز عن سقيه، فيكون من هذا السقي، ومن هذا الشجر، ودليل ذلك لما فتحت خيبر، تملك المسلمون شجرها وأرضها.
المسلمون منشغلون بالقتال وبالجهاد، فاتفق النبي - صلى الله عليه وسلم - مع اليهود الذين هم أهلها أن يعملوا فيها بنصف الثمرة، يعملوا في سقيها وحرثها وترتيب وتلقيح وصرام، ولهم نصف الثمرة، فدل ذلك على جواز المساقاة، وليس خاصا بالنخل، بل على غير النخل كشجر العنب والتوت والرمان والخوخ والمشمش والطماطم، وكذلك أيضا الفواكه، مثل البطيخ بأنواعه والتفاح بأنواعه، وما أشبه ذلك.
هذه أيضا يصح أن يساقى عليها، كذلك لو أن الثمرة موجودة، قد بدت ثمرة الشجر، وعجز صاحبها عن إتمام بقيتها، فقال لعامل: لك ربعها على أن تسقيها حتى تثمر أو تنمو، أو حتى تنضج، وعلى أن تجذها -مثلا- أو تلتقط هذه الثمرة الموجودة كشجر الأترج -مثلا- أو الباذنجان، يجوز ذلك وله جزء منه ما شاء.
وكذلك لو قال -مثلا-: هذه الأرض، وأنا أشتري لك الشجر، اغرس الشجر، واسقه، هذه البئر، اسقه، أخرج الماء، واسق الشجر إلى أن يثمر، وإذا أثمر فهو بيننا: لي نصفه، ولك نصفه -مثلا-، أو الثمرة بيننا، لي نصفها، ولك نصفها، أنا مني الأرض، ومني الشجر، ومني الآبار، وأنت منك العمل عمل يديك، يصح ذلك أيضا، ويكون بجزء مشاع، ولا يجوز أن يشرط له ثمرة شجرة معينة، لا يقول -مثلا-: لي ثمر أو تمر السكري -مثلا- ولك تمر الصهبي، أو لي ثمر هذه الشجرات الأربع.