أما ما لا يقسم إلا بضرر، فيسمى: قسمة تراض. فإذا كان بينهما -مثلا- دكان، عرضه متران، وطوله ثلاثة أمتار، طلب أحدهما أن يقسم نصفين، يقول الآخر: علي ضرر يبقى مترا وربما ينقصه الجدار، ماذا يُفيد؟ هذا لا أتمكن من الانتفاع به، فلا يقسم إلا بالتراضي، إن تراضيا فلهما ذلك، فأما إذا لم يتراضيا، فلا. في هذه الحال هل في هذا الدكان شفعة إذا باع أحدهما نصفه؟ الصحيح أن فيه شفعة، ولو لم تجب القسمة؛ وذلك لأن الضرر فيه أشد، دكان واحد عرضه مترين، باع أحدهما نصفه، فالآخر يقول: أنا أحق، حتى يكون الدكان لي كله. وكذلك -مثلا- بيت -منزل- إذا كان عرضه ستة أمتار، وطوله سبعة أمتار أو ثمانية، وهو مشترك بين اثنين أو بين ثلاثة، وطلب أحدهما نصيبه قسمة، ما يقسم إلا بالتراضي؛ لأنه لو قُسِّم فسد ولم يُنتفع به. فالصحيح أنه إذا باع أحدهما نصيبه، ثبتت الشفعة.
إذا بيع البستان، بيعت الأرض يعني: البستان بين اثنين نصفين، باع أحدهما نصفه، باع هذه الأرض وفيها غراس وفيها بناء، يدخل تبعه، يدخل الغراس والبناء تبعه، وذلك لأنه معلوم أنه للاستقرار، أنه للدوام، الإنسان إذا بني دارا فالعادة أنه ليس مؤقتا، فإنه يقول: هذه داري طول حياتي، ومن اشتراها، فإنه يقول: أسكن فيها طول الحياة، ليست مؤقتة.
وكذلك إذا غرس فيها شجرا يبقى، كنخل -مثلا- أو ليمون أو رمان أو نحوه، العادة أيضا أنه يبقى، ليس كمثل الذي يموت بسرعة، كبطيخ أو نحوه، ففي هذه الحال الغراس والبناء -إذا شفع الشافع- انتزعهما، من المشتري وأعطاه ثمنه، إذا باع شريكه نصف الأرض، بما فيها من البيوت وبما فيها من الأشجار، ثم شفع الشافع، انتزعها ودخلت المباني ونحوها."لا ثمرة وزرع"يعني: إذا باعها وفيها ثمر، فالعادة -كما تقدم- أنه للبائع. وكذلك الزرع لبائع ++قطع إلى الحصاد +، إلا إذا اشترطه المشتري. تقدم هذا في الأصول والثمار.
الشرط الرابع: أخذ جميع المبيع. أن الشفيع يأخذ المبيع كله، لا يأخذ جزءا منه، بل يأخذه كله، صورة ذلك: إذا كانت الأرض أثلاثا: أحدهما له ثلثاها، والآخر له ثلث، ثم إن صاحب الثلثين باع ثلثيه على زيد. صاحب الثلث قال: أنا أشفع، ولكن لا أريد إلا ثلثا، المشترى يقول: عليّ ضرر، الثلث لا يكفيني، يلزمه يقول: إما تأخذ الثلثين فإن اشتريت الثلثين جميعا، وإلا أن تتنازل عن الشفعة. يلزم بذلك، يلزم بأن يأخذ جميع المبيع. فإن عجز، وأراد أخذ البعض، أو عجز عن بعض الثمن، بعد إنظاره ثلاثا، بطلت شفعته.
فإذا قال: أنا لا أتحمل الثلثين، يكفيني الثلث، بطلت شفعته، أو قال: أنا شافع في الثلثين، صاحبي باع ثلثيه بأربعين ألفا، وأنا أريد أن أشفع، ولكن لا أجد إلا ثلاثين ألفا، أمهلني. يمهل ثلاثة أيام، فإن عجز فإنه يرد الثمن، يرد الثمن إليه وتبطل شفعته؛ لأن المشتري عليه ضرر، يقول: أنا دفعت أربعين، فإذا لم يعطني ثمني كله يذهب عليّ ويضيع.
فيقال: أنت أيها الشفيع، إما أن تدفع الأربعين كلها، وإلا تتنازل عن الشفعة، لك ثلاثة أيام، فإذا عجزت فلا شفعة لك. وكذلك لو قال للمشتري: أنت اشتريت من شريكي بأربعين ألفا، بعني هذا الشقص الذي اشتريته بخمسين ألفا مؤجلا، أو صالحني بنصفه أو بثلثه، بطلت شفعته؛ وذلك لأنه لم يبادر بالشفعة، قد ورد في الحديث:"الشفعة كأهل +البِقال"يعني: عليه أن يبادر بها. وفي حديث آخر:"إنما الشفعة لمن واثبها"يعني: بادر بطلبها دون تأخير، وهكذا لو جاءه عدل -إنسان عدل- وقال: إن شريكك قد باع شقصه بأربعين ألفا فكذبه، وقال: كذبت. وليس من عادة هذا الإنسان الكذب، فكذّب العدل الذي أخبره، أو تواترت إليه الأخبار بأن صاحبه قد باع، فلم يطلب الشفعة، سقطت شفعته.
وإن عفا بعضهم، أخذ باقيهم الكل أوترك، صورة ذلك: إذا كانت الأرض بين ثلاثة، أحدهما له نصفها، والآخر له ثلثها، والثالث له سُدسها، ثم باع صاحب الثلث، فإذا باع صاحب الثلث، فصاحب النصف يقول: أنا أريد الشفعة، ولكن لا أشفع إلا في سدس صاحب السدس يقول: أنا لا أريد الشفعة، المشتري يقول: لا أقدر أن أجزئ هذا القسط، إما أن تأخذه كله، أو تتركه كله.
وهكذا -مثلا- لو باع صاحب النصف. فإذا قال صاحب الثلث: يكفيني سهمان أضمهما إلى الثلث. فقال المشتري: لا أقبل، إما أن تأخذ النصف كله، الذي أنا اشتريته، وإلا أن تتنازل عن الشفعة، صحيح إما أن تأخذ الجميع، وإما أن تترك الجميع.