فصلٌ: واللقطةُ ثلاثةُ أقسام: ما لا تتبعه همة أوساط الناس، كرغيفٍ وشسعٍ، فيملَكُ بلا تعريف. الثاني: الضوال التي تمتنع من صغار السباع، كخيلٍ وإبلٍ وبقرٍ، فيحرم التقاطها، ولا تملك بتعريفها. الثالث: باقي الأموال، كثمن ومتاع وغنم وفصلان وعجاجيل، فلمن أمن نفسه عليها أخذها.
ويجب حفظها، وتعريفها في مجامع الناس: غيرِ المساجد- حولًا كاملا، وتملك بعده حكما، ويحرم تصرفه فيها قبل معرفة وعائها، ووكائها وعفاصها وقدرها وجنسها وصفتها. ومتى جاء ربها، فوصفها لزم دفعها إليه. ومن أُخذ نعله ونحوه ووجد غيره مكانه، فلقطة.
واللقيط: طفلٌ لا يُعرف نسبه ولا رِقُّه، نبذ أو ضل إلى التمييز. والتقاطه فرض كفاية، فإن لم يكن معه شيء، وتعذر بيتُ المال، أنفق عليه عالما به بلا رجوع. وهو مسلم إن وجد في بلدٍ يكثر فيه المسلمون، وإن أقر به من يمكن كونه منه ألحق به"."
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
الفصل الأول يتعلق بالوديعة. وهي: الأمانة التي تودع عند إنسانٍ ليحفظها، مشتقةٌ من ودعَ الشيء إذا تركه، لأنها متروكةٌ عند المودَعِ، وَدَعَهُ أي تركه. قرأ بعض القراء قوله تعالى: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3) } أي: ما تركك.
ثم يسن أن يقبَلها. إذا جاء إنسان يودع عندك وديعة -دراهم أو أكياسًا -مثلا- أو أقمشةً- يريد أن تحفظها حتى يحتاجها -أو أطعمةً أو مواشي- وأنت تعلم من نفسك الأمانة، فإنك تحفظها، سواءً بأجرةٍ أو تبرعًا. والمتبرع له أجر؛ لأنه داخلٌ في قوله: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى}
فمن وثق من نفسه بالأمانة، فإنه يحفظها في حرز مثلها،"يلزم حفظها في حرز مثلها"أي: ما تحرز فيه. معلوم أنها -إذا كانت جواهر أو حُليا أو نقودا- أنها تحفظ في الصناديق التي يقفل عليها، ما يسمى الآن +، أو ما أشبهه.
يعني: أنه يقفل عليها، ويحفظها؛ لأنها تتبعها الهمم، وربما تناولها الجهلة والسفهاء ونحوهم، عبثوا بها."وإن عينه ربها فأحرز بدونه، فإنه يضمن."فإذا قال: احفظها في جيبك. فحفظها في كمه، أو في يده فإن اليد أقل حفظًا وحرزًا من الجيب، فيضمنها والحال هذه؛ لأنه تساهل.
وإذا قال: احفظها في الصندوق فحفظها -مثلا- في رفٍ أو روزنةٍ، فإنه يضمن؛ وذلك لأن هذا أقل من حرزها. وإذا كانت غنمًا -مثلا- وقال: احفظها في الزريبة، فتركها في الطريق؛ فافتُرِسَت -مثلا- ضمنها؛ لتساهله في حفظها. وكذلك إذا قال: احفظ هذه الأكياس في المستودع، فتركها خارج المستودع في داخل السور أو نحوه، فإنه يضمن."يلزم أن يحرزها في حرز مثلها".
"كذلك يضمن إذا تعدى أو فرط."التعدي: الاستعمال. إذا لبس الثوب -مثلا-، أو فتق الختم أو الحزام، إذا حلَّ حزام السَّمنِ -مثلا- فاهراق، أو حزام الكيس فعبثت به دابة أو طفل، يعتبر متعديًا. وكذلك إذا فرط -أهملها- ترك البابَ مفتوحا، فدخل الأطفال فعبثوا بها أو أخرجوها، أو أهمل الدابة في الطريق فضلت.
"وكذلك لو قطع العلف."إذا كانت دابة فإنها لا تعيش إلا بالعلف، فإذا قطع العلف عن الشاة -مثلا- أو عن البقرة أو البعير، ضمنَ؛ لأنها لا بد لها من طعام، ينفق عليها مما أعطاه صاحبها. صاحبها -عادةً- قد يعطيه نفقة، قد يقول له: خذ هذه النفقة، هذه نفقة لها، مائة ريال، أنفق عليها، -مثلا- أو خمسة، وقد يقول له: أنفق عليها واحتسب، وأنا أعطيك ما خسرته.
أما لو رخص له صاحبها فقال: لا تنفق عليها اتركها تأكل بنفسها، تأكل من الحشيش ونحوه فتركها فهزلت -مثلا- أو ماتت، فإنه لا يضمن. إذا قال له صاحبها -إذا قال: لا تطعم الدابة ولا تسقها. لكن لا شك أنه يأثم، إذا رآها تموت جوعًا أو ظمأً، فإن من رآها -ولو كان أجنبيًا- عليه أن يعلفها ويزيل عنها الظمأ ونحوه، ولو لم تكن مملوكةً له، بل لو لم تكن مملوكة.
تذكرون قوله - صلى الله عليه وسلم -"بينما كلب يطيف ببئر، رأته بغيٌ، فنزعت موقها -يعني خفها- فنزلت في البئر، وسقته؛ فغفر الله لها -بغي- قالوا: وهل لنا صدقة في هذه الدواب أو أجر؟ قال: في كل كبد رطبة أجر."