ثم يحكم -أيضا- بأنه حر، ولا يجوز أن يحكم برقه؛ لأن الأصل الحرية، الحرية في المسلم. وإن أقر به من يمكن كونه منه ألحق به، إذا جاء إنسان وقال: هذا ولدي. كان ذلك ممكنًا، فإنه يلحق به، حرصًا على اتصال نسبه، حرصا على ألا يكون مجهول النسب.
وإن ادعى أنه مملوكه، وأنه ولد من أمته، وكان هناك دلائل فإنه يعتبر مملوكًا له، ولو كان ابن زنا، إذا كانت أمة -مثلا- مملوكةً لإنسان وزنت، فولدها يكون رقيقًا لسيدها؛ لأن الولد يلحق أمه في الحرية والرق.
وإذا تداعى فيه أكثر من واحد، كل واحد يقول: هذا ابني. قُدم من معه بينة. الذي معه شهود يشهدون أنه ابنه فإنه يقدم، وإذا لم يكن مع أحدهما بينة، عرض على القافة. فمن ألحقته القافة به لحق به.
والقافة: هم الذين يعرفون الشبه، هناك أناسٌ عندهم قوة نظر وقوة فكر، إذا رأوا الأثر -مثلا- علموا أن هذا أثر فلان، أو أنه قريب منه، أو أنه قريب من فلان وكذلك -أيضا- إذا رأوا إنسانًا قالوا: هذا قريب أو أخ لفلان بن فلان. فهؤلاء القافة لا شك أنهم يعتبر قولهم، إذا جربت إصابتهم.
وقد دل على ذلك قصة مجزز المُدلجي، فإنه مرَّ على أسامة بن زيد، وزيد بن حارثة، وقد غطيا رءوسهما، وبدت أرجلهما. فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض، وسمع ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فسرَّ بذلك. وكان بنو مدلج فيهم قبيلة يعرفون الشبه، ويعرفون الأثر.
وكان أسامة بن زيد أسود البشرة، وأبوه زيد بن حارثة أبيض مشربًا بحمرة، فطعن بعض الناس في نسبه وقالوا: ليس ابنًا له. فعند ذلك لما رآهما مجزز وقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض. سُرَ بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن أسامة حِبه وابن حبه؛ ليرد بذلك طعن الذين يطعنون في نسبه.
فإذا عرض هذا اللقيط على القافة، وعرض الرجلان اللذان يدعيان أنه ولدهما، فمن ألحقته القافة به لحق به، فإن اختلف القافة عرض على واحد فألحقه بأحدهما، ثم عرض على الثاني فألحقه بالآخر، ففي هذه الحال قيل: إنه يخير بينهما. وقيل: يُقرَعُ بينهما. وعلى كل حال، هذا دليل على عناية الشرع بمصالح المسلمين.
ثم هذا اللقيط الذي أُلتقطَ وأحسن إليه، يحكم بأنه مسلم، ولا يجوز أن يلحق بالكفار، إذا كانت بلاده فيها مسلمون، ولو كان المسلمون قليلا، وكذلك -أيضا- يعتنى به فيربى تربية صالحة، تربية حسنة، بمعنى: أنه يربى على الإسلام، وعلى معرفة دين الإسلام، ولو كان البلاد فيها نصارى أو يهود أو مشركون أو نحو ذلك.
حتى ينشأ على الفطرة التي فطر الله الناس عليها؛ لأن الله -تعالى- فطر الناس على الإسلام؛ ولأن كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه. فالأصل أنه مولود على الفطرة، ورد في الحديث قوله - صلى الله عليه وسلم -"قال الله -تعالى-: إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين، فحرمَتْ عليهم ما أحللت لهم"
ومعنى حنفاء يعني: على الفطرة الحنيفية. فهكذا يُربَى الأولاد على الفطرة التي فطروا عليها، أي: على الإسلام. وكذلك -أيضا- في هذه الأزمنة يتساءل كثير من الذين يربونهم؛ وذلك لأنه إذا نشأ هذا الطفل الذي هو لقيط فبمن يلحق؟
لا بد أن يلحق نسبه بإنسان؛ لأنه إذا لم يعرف من أبوه؟ ولا من أسرته وقبيلته؟ فقد تضيق نفسه، وقد يتعقد في حياته، ولا يدري من هو؛ لذلك يخترعون له اسمًا -يعني- اسمًا مناسبًا ينطبق عليه ابن فلان بن فلان، إذا كان -مثلا يعني- يصلح أن ينسب إليه.
كأن يقال: ابن إبراهيم. ولو كان إبراهيم أبوه بعيدًا، ابن نوح. ولو كان بعيدًا، أو ما أشبه ذلك، ويمكن أن ينسب إلى أب قريب، إذا كان البلد أهلها محصورون، فإنه يمكن أن يكون من قبيلة كذا: من قبيلة يربوع، أو من قبيلة حنظلة: ابن حنظلة، ابن رباب، ابن تيم، وهكذا حتى لا يتعقد، ويجعل له أب وأسرة ونحو ذلك.
تربيته بالتعليم، يُعَلم تعاليمَ الإسلام، يُعلم ما يفقه به، وما يعرف به كيف يعبد ربه، فيربى على أركان الإسلام، وعلى تعاليم تلك الأركان، ويعلم ثلاثة الأصول، وما يتصل بها، فهذا ونحوه دليل على عناية الشرع بما يتميز به عن سائر الأديان، الذين لا يعتنون بهؤلاء اللقطاء، بل يلقونهم ولا يهتمون بهم.
تميز الإسلام بحرصه على ألا يكون هناك من يضيع نسبه، أو من يهمل فيتضرر به، إذا كان الإسلام يأمر بالإحسان إلى البهائم- ذكرنا قبل قليل أنه لا يجوز إهمال البهائم حتى تموت، مع القدرة على إنقاذها- فكيف ببني الإنسان؟ نتوقف هاهنا، والله أعلم.