الأول الذي وجدها فيه، ففي الأسبوع الأول يعرفها في كل يوم مرتين أو ثلاث مرات. يكون التعريف في الأسواق، وفي المجتمعات، وعند أبواب المساجد.
وإذا لم يقدر فإنه يؤجر من يعرفها، وأجرتها تكون منها. فيقول: -مثلا- يا فلان عرِّف لقطة من ذهب أو من نقود أو ما أشبه ذلك. ففي الأسبوع الأول يعرفها كل يوم مرتين، ثم في الأسبوع الثاني يعرفها كل يوم مرة، وفي الثالث كل يومين مرة، وفي الرابع كل أسبوعٍ مرتين، ثم بعد ذلك يعرفها بقية السنة في كل أسبوع مرة، كيوم الجمعة -مثلا-.
يمكن أن يكتفي بالإعلانات في هذه الأزمنة، يعلن عنها في الصحف، ويعلن عنها في الإذاعة المرئية والمسموعة، ويكون ذلك مما يلفت انتباه صاحبها لتتبع الإعلانات. وكذلك -أيضا- يكون التعريف في الأماكن القريبة من مكانها الذي سقطت فيه، إذا وجدها في السوق فإنه يعرفها في هذا المكان، وما قرب منه.
وإذا وجدها في طريق، كالذي كثيرًا ما يسقط من السيارات -السيارات الناقلة- يسقط منها بعض الأمتعة، فتحتاج إلى تعريف، ففي هذه الحال يعرفها في الأماكن التي يظن أنها صاحبها يهتم بها، ويأتي إلى ذلك المكان.
فهذا الذي كتمها شهرًا أو أشهرًا، ثم بدأ يعرفها، هل يملكها بعد السنة؟ نقول: لا يملكها. بل تكون عنده كأمانة، أو يدفعها إلى بيت المال، أو إلى القضاة أو ما أشبه ذلك.
ويستثنى من ذلك -أيضا- لقطة الحرم. ورد فيها ما يدل على آكدية تركها، لا تلتقط لقطتها، وإذا التقطت فإنها لا تملك، بل تبقى -يعني- مُلكًا لصاحبها، فإن لم يوجد فإنها توضع في رتاج الكعبة، يعني: في مصلحة البيت الحرام، لئلا يُتهاون بها. اللقيط
أما الباب الذي بقي عندنا، وهو باب اللقيط:"طفل لا يعرف نسبه ولا رقه، نبذ أو ضلَّ إلى سن التمييز."والغالب إذا نبذ أنه ليس ابن رشدة، الغالب أنه ابن زنا. كثيرًا ما تزني المرأة، وإذا وضعت نبذت طفلها في طريق -مثلا- أو في مسجد، ثم هناك من يأخذه ويربيه ويتولى حضانته.
فاللقيط قد يكون ابن عهر، وقد يكون طفلًا ضجر منه أهله ولا يريدونه، يريدون أن يضمه من يلقاه، وكذلك قد يَضل من أهله، ولا يعرف أهله، فإما أنه نُبذ يعني: طرحه أهله عمدًا، وإما أنه تاه وضل.
والعادة أنه إذا ضل فإنهم يهتمون به، ويسألون عنه كثيرًا، أما إذا كان مميزًا فإنه يُعرِبُ عن نفسه، إذا بلغ السابعة فالأصل أنه يتكلم، ويعرب عن نفسه، ويسمي نفسه، ويعرف أباه ويعرف أهله، فلا يكون -والحال هذه- لقيطًا، بل يحفظ إلى أن يجده أهله، أو يصف مكان أهله.
التقاطه فرض كفاية؛ لأن أخذه من مصلحته مخافة أن يهلك؛ لأنه إذا لم يؤخذ تعرض للهلاك، لعدم معرفته لمصلحة نفسه، فمن وجده فإنه يأخذه. ورد أن رجلًا جاء بطفلٍ -وجده ضالًا في بريَّةٍ- إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال عمر:"عسى الغوير أبؤسا"-مثل يضرب لمن جاء بخبرٍ عجيب- فأخبره بأنه وجده تائهًا أو ضالًا، فقال عمر: لك ولاؤه وعلينا نفقته.
معنى ذلك: أننا ننفق عليه من بيت المال، ولاؤه يعني: حضانته وتربيته وحفظه عليك أنت محتسبًا، وإذا لم يحتسب أو كان عاجزًا فإنه يوكَّل به بأجرة من يحضنه، وينفق عليه ويربيه، كما في هذه البلاد، هناك حضانة لمثل هؤلاء، وكذلك -أيضا- هناك من يتولى تربيتهم وتنشئتهم وتدريسهم، وتعليم من ليس له والد، أو لا يعرف والده.
فهذا اللقيط لا يعرف نسبه، أنه ابن فلان، ولا يعرف هل هو رقيق أم حر؟ فالتقاطه فرض كفاية.
فإن لم يكن معه شيء، وتعذر بيت المال،"أنفق عليه عالم به، بلا رجوع"تارةً أهله يجعلون معه مالًا، يربطون معه -مثلا- شاةً ليرتضع منها، أو يجعلون معه صرةً فيها دراهم، يجعلون معه أكسية أو نحوها، حتى ينفق عليه من تلك النفقة، فما وجد قريبًا منه أو معه فإنه له، ينفق عليه منه.
فإن لم يوجد معه شيء أُنفق عليه من بيت المال؛ لأن بيت المال لمصالح المسلمين، فإن لم يتيسر، فعلى من علم حاله أن ينفق عليه، يلزم من علم حاله من المسلمين الذين يقدرون أن ينفق عليه بقدر ما يحتاجه، وليس له أن يرجع على أحد، بل يجعل ذلك من باب الاحتساب. يعتبر أخذه فرض كفاية، وتعتبر النفقة عليه فرض كفاية.
يقول:"وهو مسلم إن وجد في بلد يكثر فيها المسلمون."يحكم بإسلامه؛ وذلك لأن الأصل في الأولاد أنهم ولدوا على الفطرة، فإن كانت البلاد كلها أهل ذمة فإنه يلحق بهم، وإن كان الأكثرون هم المسلمين، أو فيها مسلمون كثير حكمنا بأنه مسلم.