يقول:"فلمن أمن نفسه عليها أخذها."يعني: التقاطها. وأما إذا لم يأمن نفسه، وخشي أن نفسه تطمع فيها، ويخفيها وهو يعرف أهلها، أو لا يعرِّفها، فإنه -والحال هذه- يعتبر ظالمًا بأخذها، بل عليه أن يتركها ليأخذها من يحفظها.
ثم إذا أخذها فعليه حفظها، ولا يجوز له إهمالها؛ وذلك لأنها دخلت في عهدته، وإذا أهملها فإنه يضمن. فلو -مثلا- أنه أتى بالشاة، وأدخلها مع غنمه، ثم بعد ذلك أخرجها فافتُرست، فإنه يضمنها؛ وذلك لأنها دخلت في ضمانه، فعليه أن يحفظها.
وكذلك -مثلا- لو أخذ الحقيبة -مثلا- أو الجراب، أو الكيس، ثم جاء به إلى بيته، ثم رده إلى مكانه فإنه يضمن؛ وما ذاك إلا أنه أزال مكانها التي كانت فيه، أزالها من موضعها، ربما أن صاحبها جاء بعدك فلم يجدها وأيس منها، فإذا ردها فإنه يضمن.
يجب بعد ذلك تعريفها. التعريف: هو النداء عليها في مجامع الناس: غير المساجد- حولًا كاملًا. كما في حديث زيد بن خالد"يقول: ثم عرفها سنة"حولًا كاملًا أي: سنةً هلالية. ينادي عليها في الأسواق، وأبواب المساجد، ولا يذكر صفتها كلها.
فإذا كانت دراهم قال: من فقد النقود؟ من فقد الدراهم؟ ولا يقول: من فئة مائة أو من فئة خمسمائة. فإذا جاء صاحبها فإنه لا بد أن يصفها، أنها من فئة ريال أو من فئة خمسة، -مثلا- وأنها في خرقة -مثلا- أو في"بوك"أو ما أشبه ذلك.
يصف عفاصها أي: خرقتها التي هي فيها. وكذلك إذا كانت حليًا فيقول: من فقد الحلي؟ الحلي إذا جاء صاحبه قال: صفه لنا. فإن قال -مثلا-: قلائد أو أسورة أو خواتيم أو أقراطًا، إذا وصفها، وصف عددها، كم هي؟ وزنتها، وهكذا -أيضا- يذكر جنسها، إذا كانت -مثلا- أطعمةً، أي نوع من الطعام؟ من الأرز، من أي نوع؟ من التمر، من أي نوع؟ من الثياب، طولها وعددها؟ فلا بد أن يذكر ذلك، الذي يأتي ويصفها.
ثم بعد ما يمضي الحول يملكها حكمًا، يملكها بعد ذلك حكمًا. أي يُحكَمُ بأنها له. من هو؟ يعني: الملتقط. لأن في الحديث"إن جاء صاحبها وإلا فهي لك"
يدخلها في ماله، ولكن بعد أن يكتب أوصافها، إن كانت من الدواب: من الغنم أو من أولاد البقر أو أولاد الإبل، فإنه يذكر أوصافها: لونها وسنها عندما وجدها، وإن كانت من الدراهم، كتب أوصافها في دفتر -مثلا-. وكذلك بقية أوصافها ونحوه.
يحرم تصرفه فيها قبل معرفة ذلك؛ لقوله عليه الصلاة والسلام:"اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها"وعاؤها: الخرقة التي هي فيها إن كانت دراهم، وكذلك إن كانت حليًا، وكذلك نوع الكيس. ووكاؤها يعني: الخيط الذي تربط به. وعفاصها يعني: الإناء التي هي فيه. العفاص: هو الوعاء أو الخرقة.
وقدرها يعني: عددها، مائة أو ألف أو نحو ذلك، وجنسها: أنها من فئة مائة أو من فئة خمسين أو من فئة مائتين، وجنسها. وكذلك وصفها، ولا يلزم أن يعرف أرقامها يعني: نفس العملات الآن كل ورقة لها رقم، ولكن لا يستحضر الإنسان أرقامها، متى جاء صاحبها فوصفها لزم دفعها إليه، ولو بعد عشر سنين أو عشرات.
ثم يقول:"ومن أخذ نعله ووجد غيره مكانه فلقطة."وكذلك من أخذ ثوبه في حمام أو نحوه، فوجد ثوبًا غيره فإنه لقطة. ولكنْ في هذه الحال إذا تحقق أن صاحب هذه النعل هو الذي أخذ نعله، فإنه يأخذ قدر نعله من هذه النعال، وإذا كانت متقاربة أو متساوية فإنه يلبسها، إلى أن يجيء صاحبها.
الباب الذي بعده باب اللقيط. نقرؤه بعد الصلاة إن شاء الله.
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
قرأنا أربعة أبواب في هذه الليلة: باب الوديعة، وباب إحياء الموات، وباب الجعالة، وباب اللقطة. لم نتوسع بذكر الأمثلة؛ لضيق الوقت، وبقي عندنا باب اللقيط. وقبل أن نبدأ فيه نعلق بعض التعليق على اللقطة.
ما يتعلق بالتعريف؛ ولأهمية الموضوع. كثير من الناس يلتقط اللقطة ثم يكتمها لمدة -مثلا- شهر أو شهرين أو أشهر، ثم بعد ذلك يسأل ويقول: وجدت لقطة. كيف أعرفها؟ نقول له: قد أخطأت؛ وذلك لأنك كتمتها في هذه المدة.
صاحبها يهتم بها في الأسبوع الأول، وفي الشهر الأول، ويتسمع الأخبار، فإذا لم يسمع من ينشدها ولا من يُعَرفُها، أيسَ منها وظن أنها سرقت، وأن الذي أخذها يخفيها ولا يبديها، فالواجب أنه يبدأ في التعريف من اليوم