فهل يجوز قسمة التركة؟ مع أننا ما شاهدناه ولا آتانا من يقول: إني شاهدته، أشهد أني شاهدته عندما خرجت روحه؟ يجوز إذا انتشر الخبر، وكثر المتناقلون له، فيجوز في هذه الحال قسمة تركته؛ لأنا تحققنا أنه مات بالاستفاضة.
أما إذا فُقِدَ فيقولون: لا تقسم تركته إذا كان الغالب عليه السلامة إلا بعد أن يتم له من عمره تسعون سنة، والصحيح أنه يجتهد الحاكم.
اشرط الثاني: تحقق وجود المورِّث، تحقق حياة المورث ووجوده ولو نطفة، فإذا مات ميت، وادَّعت زوجته أنها حامل منه، فإنه يرث الحمل، ولو كان نطفة أو علقة أو مضغة، وعلامة ذلك إذا كانت غير فراش أن تلده لأقل من أربع سنين؛ لأن أكثر مدة الحمل أربع سنين، فإذا لم تكن ذات زوج، وادَّعت أنها حامل، ينتظر حتى تلد، ولو طالت مدة الحمل، لكن في هذه الأزمنة يمكن الكشف عليه بالأشعة ونحوها، فإذا ادعت أنها حامل، وأنكر ذلك الورثة، وكشف عليها، وتحقق بأنها حامل بالأشعة صدقت، فإذا تأخرت ولادتها ولو سنة أو سنتين فإنه ولدها يرث إذا ولد حيا.
ثم لا بد أن يولد حيا حياة مستقرة، أما إذا ولد ميتا فإنه لا يرث، وكذلك علامة حياته الحركة، إذا ولد وتحرك حركة فيحنئذ يرث، ولو مات بعد دقيقة بعد ولادته، تحقق حياته حياة المورث، أما إذا شك في حياته كما لو مات اثنان جميعا، ولم يعلم، ولم يتحقق أن أحدهما مات قبل الآخر ففي ذلك تفصيل مذكور في باب الغرقى.
أما الشرط الثالث: العلم بالجهة المقتضية للإرث: يعني: لا بد أن نعرف، ونتحقق أنه من جملة الورثة، فإذا جاء وقال: أنا أخوه، ما الدليل على أنك أخوه؟ ائتنا بمن يشهد لك، مات -مثلا- أجنبي في بلد، وجاء إنسان، وقال: أنا وراثه، لا بد من الإثبات، ومن التثبت مخافة أن يدعي إرثه من ليس وارثا له، فلا بد من التثبت بشهود -مثلا- أو بمكالمة هاتفية كما في هذه الأزمنة، أو بصكوك تدل بما يسمى"حصر الإرث"، فإذا تحقق ذلك صُدِّق وورث. أقسام الورثة:
ذكر بعد ذلك أن الورثة ثلاثة: ذو فرض، وعصبة، وذو رحم ..
المشهور عند أكثر الفقهاء أن الورثة قسمان، كما يقول الناظم:
واعلم بأن الإرث نوعان هما ... فرض وتعصيب گما
ولكن فقهاء الحنابلة جعلوها ثلاثة: أصحاب فروض، وأصحاب تعصيب، وأصحاب رحم، فأصحاب الفروض هم الذين يأخذون فروضهم المذكورة في القرآن، وأصحاب التعصيب هم الذين يأخذون بلا تقدير، وأما أهل الرحم فهم الذين يرثون عند عدم العصبة، وعند عدم أهل الفروض كالأخوال ومن أدلى بهم، والعمات ومن أدلى بهن، وبنات العم، وبنات ابن العم، وبنات الإخوة من الأم، أولاد الإخوة من الأم يسمون أصحاب رحم، أي: من ذوي الأرحام. ما يتعلق بالتركة:
ذكروا أن التركة يتعلق بها خمسة أشياء:
الأول: وهو مئونة التجهيز، إذا مات أخذ من تركته مئونة تجهيزه حتى يجهز، يعني: ثمن الكفن، وأجرة الحفر، وما أشبه ذلك.
الثاني: الديون التي فيها رهن، المتعلقة بعين التركة كشاة مرهونة فيأخذها الراهن أو يبيعها، وغير ذلك مما له أمثلة كثيرة.
الثالث: الديون المطلقة، لا بد من إيفائها قبل قسمة التركة يعني: أصحاب الديون.
الرابع: الوصية.
الخامس: تقسيم التركة على الورثة.