تجب الخمس على كل مسلم مكلف إلا حائضا ونفساء ولا تصح من مجنون ولا صغير غير مميز وعلى وليه أمره بها لسبع وضربه على تركها لعشر، ويحرم تأخيرها إلى وقت الضرورة إلا ممن له الجمع بنيته، ومشتغل بشرط لها يحصل قريبا، وجاحدها كافر.
بسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه
الأصل أن العلماء يبدأون بكتاب الصلاة ولكن بدأوا بالطهارة؛ لأنها شرطها، والعادة أن الشرط يتقدم المشروط، واستطردوا في كل ما يتصل بالطهارة وفي كل ما له صلة بإزالة النجاسات وما أشبهها، إن كانت عادة المؤلفين الأولين أن يرتبوا كتبهم على ترتيب أركان الإسلام فيبدأون بالشهادتين ثم بالصلاة ثم بالزكاة إلى آخرها، فعل ذلك مسلم في صحيحه، وكذا البخاري في تقديمه للإيمان الذي هو مضمون الشهادتين، ثم الصلاة ثم الصوم، إلا أن البخاري أخر الصوم عن الحج، ثم الحج، وهذا هو الترتيب المعتاد، ولما كان التوحيد هو العقيدة الأساسية أفرد بعد ذلك بكتب جعلت باسم التوحيد أو الإيمان أو السنة أو الشريعة جعلت كتب التوحيد مفردة لأهميتها، وجعلت بقية الأحكام مجموعة وقسموا الأحكام أربعة، فبدأوا بالعبادات؛ لأنها حق الله فإذا انتهوا من العبادات التي هي حق الله بدأوا بالمعاملات التي فيها كسب المال؛ لأن الإنسان بحاجة إلى كسب المال الذي هو قوته والذي هو مادة حياته، ثم بعد ذلك بالنكاح؛ لأنه أيضا من تمام الضرورات ثم ختموا بالحدود والجنايات؛ لأنها تنتج عمن كملت عليه النعمة واتسعت نفسه بعد ذلك بالعدوان وبالظلم.
الآن نحن في القسم الأول الذي هو العبادات وفي أهمها وهو الصلاة:
الصلوات الواجبة خمس كما هو معروف دليلها قوله - صلى الله عليه وسلم - " خمس صلوات كتبهن الله على العباد " في حديث طلحة بن عبيد الله، وقوله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ: " فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة " فدل على أن الصلوات المكتوبة خمس، وفي حديث الإسراء أن الله -تعالى- فرض عليه أولا خمسين صلاة، ثم إنه طلب التخفيف بإشارة ملموسة حتى جعلها الله تعالى خمسا، وقال " لا يبدل القول لدي هي خمس وهي خمسون " يعني أن من حافظ عليها فله أجر خمسين، الحسنة بعشر أمثالها.
هذه الصلوات الخمس واجبة على المسلم، الكافر مطالب بشرطها، وهو الإسلام فإذا لم يسلم لم يطالب بها، و فيه خلاف أصولي، هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؟، تكلم العلماء على ذلك في أصول الفقه، ورجحوا أنهم مخاطبون بها، وإن كانت لا تقبل منهم، ويكون خطابهم بمعنى زيادة العقوبة عليهم، فيقال مثلا: هذه عقوبتك على الشرك وهذه عقوبتك على ترك الصلاة، وهذه عقوبتك على ترك الصوم، وهكذا، وإلا فإنهم لو صلوا وهم مشركون ما قبلت منهم ولا أثيبوا عليها، ثم معروف أن كلمة تجب بمعنى تلزم، فيلزم المسلم أي: أنها واجبة وجوبا مؤكدا لا تجب إلا على المسلم المكلف.
المكلف هو البالغ العاقل، هذا تعريف التكليف البالغ العاقل، يخرج بذلك الصغير فإنه لا تجب عليه وأمره بها أمر تعليم وتدريب ويخرج بذلك فاقد العقل وهو المجنون فإنه مرفوع عنه الكلام حتى يفيق فإن الله -تعالى- إنما خاطب بالواجبات من يعقل، ومعلوم أن فاقد العقل لا يفهم، ولا يدري ما يقال له، ولا يميز بين الواجب وغيره، وعلامة ذلك أنه يفعل الأفعال التي لا يقبلها العقل، وليس معه ما يميز به، بين النافع والضار، ويستثنى من هذا الوصف الحائض والنفساء، فيسقط عن الحائض والنفساء كما تقدم زمن الحيض، وزمن النفاس، لا تجب عليها الصلاة، ولا يلزمها قضاؤها كما تقدم في الحيض، وتقدم أن السبب استمرار هذا العذر وهذه النجاسة ومشقة القضاء عليها، حيث أنه قد يجب قضاء خمسة عشر يوما، وأربعين يوما في الحيض، فيكون في ذلك صعوبة.
صرح بعد ذلك بما يحترز به عن مسلم مكلف، عرفنا أن مكلف احتراز من مجنون وصغير فلا تصح من المجنون، ولا يؤمر بها؛ لأنه لا يحسن ولا يفهم ولا يدري ما يقال له، وكذلك من الصغير غير المميز، وأما إذا كان مميزا فإنه يؤمر بها ويكون أمره بالتدريب حتى يألف هذه الصلاة، وحتى تخف عليه عند التكليف وحددوا الصغر الذي يميز معه بسبع سنين، ورد فيه الحديث قوله - صلى الله عليه وسلم - " مروا أولادكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع " الأمر هنا للأولياء، هل هو للوجوب أم للاستحباب؟.