تعريفها: من ولدت ما فيه صورة ولو خفية من مالك، يعني: ولدت من الذي ملكها مولودا فيه صورة الإنسان ولو كانت تلك الصورة خفية، يعني: بالتأمل يرى أن هذا رأسه، وأن هذا وجهه، وهذه عيناه، وهذه خلقته ورجلاه ويداه، ويكون ذلك من أساب عتقها، أنها انعقد سبب عتقها من ولادتها ولدا ولو ميتا، ولكن فيه صورة الإنسان ولو خفية، وأن ذلك الولد من سيدها الذي وطئها فأحملها.
يقول: ولو كان يملك بعضها أو كانت محرمة عليه، يعني: لو أن إنسانا وطئ أمة بشبهة، فولدت منه، عتقت، وكذلك لو كانت مشتركة بينه وبين ثلاثة هو رابعهم، وطئها أحدهم، حرام عليه أن يطأها، ولكن بشبهة، حملت منه، وَلَدَتْ، أصبحت أم ولد له، فعليه أن يعطي شركاءه حصصهم، وتبقى مملوكة له، فإن مات عتقت من رأس ماله.
يقول:"أو محرمة عليه". يعني: لكونها مشتركة، أو من أبيه، لو وطئ أمة لأبيه فأولدها، صارت أم ولد له.
يقول:"إن لم يكن وطئها الابن، يحرم على الأب أن يطأ أمة ابنه، ويحرم على الابن أن يطأ أمة أبيه". فإذا قدر أنه حصل، حصل أنه وطئها، وحملت منه أصبحت أم ولد لمن وطئها، يكون أحكامها كأمة، إلا فيما ينقل الملك في رقبتها أو يراد له، يعني: تبقى في حالة حياة سيدها كأنها أمة، يستخدمها ويطؤها، ويستمتع بها، وهي خادمة عنده.
وله أيضا أن يزوجها، وإذا زوجها وولدت أولاد من ذلك الزوج، وأصبحوا ملكا له، فإذا مات عتقت وعتق أولادها؛ لأنه قد انعقد سبب عتقها، فيعتقون معها.
هذا معنى أحكامها كأمة إلا فيما ينقل الملك في رقبتها، يعني: البيع أو الهبة، وكذلك الرهن؛ لأن الرهن يراد للبيع، ليس له أن يرهنها؛ لأنه قد يعسر فيحل الدين، فيبيعها ذلك المرتهن، فلا بد أن يحرص أن لا بد أنه يحافظ عليها، لا يبيعها، ولا يهبها، ولا يرهنها، هذا معنى:"أو يراد له"، يعني: يُراد للبيع، يُراد لنقل الملكية.
ثم يقول:"ومن أعتق رقبة أو عتقت عليه فله عليها الولاء، وهو أنه يصير عصبة لها مطلقا عند عدم عصبة النسب". ولاء المعتق:
قد ذكرنا أن الولاء من أسباب الإرث، من الأسباب التي يرث بها، يتوارثون بالولاء، وذكرنا أنهم عرفوه بأن الولاء: عصوبة سببها نعمة المعتق على رقيقه بالعتق، فيرثه هو وورثته المتعصبون بأنفسهم، لا بغيرهم، ولا مع غيرهم؛ وذلك لأنه إذا أعتق هذا العبد، أو تسبب في عتقه -حتى ولو كان كفارة- أصبح ذلك العبد مولى لذلك المعتق، قال الله تعالى: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ} إلى قوله: {ادْعُوهُمْ (( (( (( (( (( (( هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} .
فسماهم الله إخوانا وموالي، وهم عتقاء، المولى هو الذي يتولَّى إنسانا، يُسَمَّى مولى له، ثم يُطْلَق الولاء على ولاء العتقاء، ويُطْلَق على ولاء الإسلام، يعني: أن هناك من تدعوه فيسلم على يديك، فيكون مولى لك، ينتسب إلى قبيلتك.
من ذلك ما ذكروا أن جد البخاري الذي هو أبو المغيرة كان مجوسيا، دعاه رجل من قبيلة جُعْف، فأسلم على يديه، فصار يقال له: الجعفي، محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي، جعفي بالولاء، وليس هو ولاء الرق، ولكنه ولاء الإسلام، أسلم على يدي بعض قبيلة بني جعف. وأما ولاؤه، وهذا الولاء لا يحصل به توارث، ولاء الكتابة، ولاء الإسلام، ولا ولاء الموالاة.
عندما يأتي إنسان ضعيف، فينضم إلى قبيلة فيقول: أنا لكم، وأنا منكم. هذا -أيضا- لا يحصل به التوارث، بخلاف ولاء العتق؛ فإنه يحصل به التوارث، ودليله قول النبي-صلى الله عليه وسلم-:"الولاء لمن أعتق"لما أن أعتقت عائشة بريرة، وقد كان أهلها أرادوا العتق الولاء لهم، فقال النبي-صلى الله عليه وسلم-:"الولاء لمن أعتق".
فالرقيق بعد عتقه يصير مولى لمن أعتقه له عليه الولاء، يصير عصبة له مطلقا، يرثه عند عدم عصبة النسب، إذا لم يوجد له أقارب من النسب ورثه معتقه الذي مَنَّ عليه بالعتق.