والحاصل أنه إذا علم فيه خيرا فإنه يكاتبه، وتُكْرَه لمن لا كسب له، ولم يكن له كسب يكون كَلّا على الناس يتسول ويمد كفه إلى الناس، أعطوني أنا أنا، لا شك أن له حق، بل له حق في الصدقه والزكاة، لقول الله تعالى: {* إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ} .
فُسِّرَتْ الرقاب هنا بأنهم المماليك المكاتبون أن لهم حق في الزكاة، فيعطون حتى يساعدوا على تحرير أنفسهم، فإذا علم فيه خيرا فإنه يعتقه، يكاتبه، وإذا عرف أنه ليس من أهل كسب ولا من أهل قدرة على أداء ما التزم به أو خاف أنه يهرب، فإن الكتابة لا تصح؛ لأنه يساعده على الإفساد كثير من الممالك إذا عتق فسد، حيث يقع في الزنا، ويقع في المسكرات، ويقع في الفواحش وما أشبهها، فبقاؤه مملوكا أولى به. بيع المُكَاتَب:
يقول:"ويجوز بيع المُكَاتَب، ومشتريه يقوم مقام مُكَاتِبِه". دليل ذلك قصة بريرة أنها"كاتبت أهلها على تسع أواقٍ"الأوقية أربعون درهما، يعني نحو ثلاثمائة وستين درهما، قيمتها يمكن أنها مائتا درهم، ولكن لما كانت مؤجلة زادوا في ثمنها، ولكن"جاءت إلى عائشة تطلب منها أن تساعدها في دين كتابتها، فقالت عائشة: أنا أدفع الثمن على أن يكون الولاء لي، إن أحب أهلك أن أدفع لهم الثمن ويكون ولاؤك لي فعلت. فقال: سألت عائشة النبي-صلى الله عليه وسلم- فأمرها بأن تشتريها ويكون لها الولاء".
أهلها الذين كاتبوها قالوا: نريد أن يكون الولاء لنا، فقال-صلى الله عليه وسلم-:"ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله؟ من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق؛ وإنما الولاء لمن أعتق".
جعل الولاء لمن أعتق، وفي هذه الصورة عائشة هي التي أعتقتها، هذا معنى قوله:"يجوز بيع المكاتب، ومشتريه يقوم مقام مكاتبه".
إذا اشتراه المشتري يمكنه من الاحترار، فإن أدَّى ما عليه عتق، وكان ولاؤه للمشتري، وإن عجز عاد رقيقا، وصار مملوكا للمشتري، إذا أدى عتق وولاؤه لمن انتقل إليه، الذي باعه باع العبد وثمنه وولاؤه. عتق أم الولد:
ذكر بعد ذلك أم الولد تعتق بموت سيدها من كل ماله، أم الولد هي الأمة التي يطؤها سيدها، فتلد منه ولدا واحدا أو عددا، ذكرا أو أنثى، فإنها تصير أم ولد، وسواء كان ذلك الولد حيا أم ميتا، إذا وضعته بعد ما يتبين به خلق الإنسان، يعني: إذا وضعت ما تبين فيه خلق الإنسان، كرأسه وعلامات رأسه؛ عيناه وشفتاه، يعني: يداه ورجلاه، وأصابع يديه ورجليه، وضعت حملا ولو ميتا، يعني قد مضى عليه نحو أربعة أشهر، فإذا وضعته في هذه الحال أصبحت أم ولد.
وما دامت أم ولد فإن حكمها حكم الأمة عند سيدها، له أن يطأها، وله أن يستمتع بها، وله أن يستخدمها، إلا في نقل المُلْكِ؛ فليس له أن يبيعها، ولا أن يهبها لمن يملكها، لماذا؟ لأنه تعلق سبب عتقها؛ وذلك لأنها لما ولدت منه أصبحت قد صار لها من تَمُنُّ عليه وهو ولدها، في هذه الحال إذا مات سيدها عتقت من رأس المال، تعتق بموت السيد من كل المال لا من الثلث.
وذهب بعض العلماء إلى أنها تعتق من نصيب ابنها؛ لأنها ولدته، وسواء واحدا أم عددا، وسواء كان ذكرا أم أنثى، فكأنهم يقولون: إن ولدها يملكها، وإذا ملكها فإنه لا يستخدمها، يعني: بعد موت سيدها؛ بل تعتق عليه.
ذكر من أسباب العتق أن من ملك أي رحم محرم عتق عليه، إذا ملك الإنسان أباه عتقه، أو ملك ابنه عتقه، أو ملك أخاه أو ابن أخيه أو عمه أو خاله، يعني: الذي بينه وبينه مَحْرَمِيَّة بمجرد ما يملكه يعتق، من ملك ذا رحم محرم عتق عليه.
فكأن ابنها ملكها، أو ملك جزءا منها في حالة حياة السيد ليس له الملك، الملك للسيد، أما بعد وفاته فيملكها أولاده من جملتهم ولدها الذي منه واحد أو عدد، وإذا كان ولدها قد ملكها فإنها تعتق من نصيبه. ولكن القول مشهور أنها تعتق من رأس المال، تعتق من جميع التركة، متى مات سيدها عتقت.