فهرس الكتاب

الصفحة 465 من 722

فلا يصح أن يكره الرجل على امرأة لا يرغبها، وتنفر نفسه منها، إما لسوء خلق أو لقبح مظهر أو دمامة أو عيب، أو كبر أو صغر أو جهل، أو نحو ذلك، فإذا أكره وهو غير مقتنع لم يكن موافقا، ولم يعش عيشة طيبة، ويؤدي ذلك إلى الفراق بسرعة؛ فلذلك لا بد أن يكون موافقا راضيا.

وهكذا الزوجة، الزوجة -أيضا- لا بد من رضاها، ورضاها أهم، وما ذاك إلا أن الغالب أن الزوج هو المتقدم بالخطبة، وهو الطالب، في الغالب أنه لا يقدم إلا بعدما يتأكد من الصلاحية، أما الزوجة فإنها قد تكون جاهلة بذلك الزوج، وقد تكون أيضا كارهة له، وربما كارهة للنكاح كليا؛ فلذلك لا بد من رضاها.

وقد جاءت في السنة باشتراط الرضا، ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال"لا تنكح البكر حتى تستأذن، ولا الثيب حتى تستأمر"وثبت أيضا"أن جارية زوجها أبوها بغير رضاها، فخيرها النبي - صلى الله عليه وسلم -".

وفي حديث آخر:"جاءت ابنةٌ بِكرٌ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت يا رسول الله: إن أبي زوجني من ابن أخيه ليرفع بي خسيسته -يعني: ليرفع قدره، كأن ابن أخيه كان خاملا فأراد أن يرفع قدره بتزويجه بابنته- فخيرها فأجازت نكاح أبيها، وقالت: إنما أردت أن يعلم النساء أن ليس للأولياء عليهن سلطة"أو كما في الحديث، فدل ذلك على أنه يشترط رضاها.

في حديث عبد الله بن عمر أنه"خطب ابنة خاله -خاله قدامة كان قد مات، ولما مات كان له ابنة فخطبها إلى أمها وإليها، فعند ذلك وافقت وعقدوا له- ثم إنه جاءهم أيضا المغيرة بن شعبة، ورغب لهم في المال فجاء عمها واشتكى، قال: يا رسول الله! إنها جاهلة، وإنها تزوجت وأنا غير راض، وأنا أولى بها، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - إنها يتيمة، وإن اليتيمة لا تزوج إلا بإذنها، وبإذن وليها، ففسخ نكاحها من عبد الله -وهي ابنة خاله- وزوجوها المغيرة"فدل على أن ذلك شرط، أنها لا تزوج إلا برضاها، وبعد مشاورتها، ثم لا بد أن يسمى لها الرجل، حتى تعرفه يقينا حتى تتمثل له، فيسمى، وإذا كانت جاهلة فلها أن تسأل، وكذلك أيضا لا بد أنها تسأل عن نسبه، وعن حرفته، وعن كفاءته، ومقدرته المالية ونحوها، فإذا اقتنعت بذلك كله حصل التزويج، أما إذا لم تقتنع فلا يجوز.

الفقهاء استثنوا الأب، يقولون: إن الأب يجوز له أن يزوج الصغيرة بدون إذنها، وله -أيضا- أن يزوج ابنه الصغير إذا رأى في ذلك مصلحة، لماذا يزوج ابنته بدون رضاها إذا كانت صغيرة؟

الغالب أن الأب يكون معه شفقة، ويكون معه حنو على ولده، ذكر أو أنثى، فلا يقدم على تزويجه إلا لمصلحة ظاهرة يراها، فأباحوا له أن يزوج ولده -ذكرا أو أنثى- إذا كان صغيرا.

والغالب أن الصغير -سواء رجل أو امرأة- لا يكون عنده تفكير، ولا يكون عنده معرفة، فإذا كان الزوج راضيا، إذا كان الولي الأب راضيا بهذا الزوج الغالب أنه يكون كفؤا وأهلا أن يزوج.

ومع ذلك فالصحيح أنه ليس على إطلاقه، فقد يكون كثير من الآباء عندهم جشع، فيزوج غير الكفء لأجل المال، إذا جاءه إنسان عنده مال، ورغبه في كثرة العطاء، فقد يزوجه بغير رضا المرأة، المرأة هي التي تتألم، وهي التي تتعذب؛ لأنها تلازم ذلك الزوج طوال حياتها، فإذا لم يكن أهلا في دينه وفي خلقه فإنها هي التي ينالها الأذى، فلا بد من رضاها.

كثيرا ما تشتكي الإناث، تذكر أن أباها أكرهها؛ لأجل أن ذلك الزوج عنده مال، ودفع لهما دفعا كثيرا، فتألمت الزوجة وتعذبت وبقيت حسيرة سجينة، تذكر أنه يتركها في المنزل ويذهب مع رفقته، ولا يأتي إلا في الساعة الثالثة ليلا، وربما لا يأتي إلا بعد الفجر، وإذا جاء طرح نفسه على الفراش، وهي في طوال ليلها ساهرة تنتظر، أو كذلك يأتي إلى بيته بأصدقائه أولئك الفاسدين، فيشرب معهم المسكر، ويسهرون طوال ليلهم على غناء وزمر ومفاسد، فتكون هي المعذبة؛ لذلك لا بد أنها تكون راضية، حتى ولو كانت صغيرة، إذا كانت مميزة عاقلة.

والأولى أيضا عدم تزويج الصغيرة، التي دون العاشرة؛ وذلك لأنها لم يكن عندها تفكير، يمكن إذا كان الأب ناصحا، وخاف أن هذا الزوج يفوت عليه أن يزوجها، ويكون ذلك أيضا موقوفا على رضاها بعدما تميز.

كذلك أيضا استثنوا المعتوه، ولو كان بالغا، أي ضعيف العقل الذي ما عنده تمييز، ولا عنده معرفة، سواء ذكر أو أنثى، فإذا رأى وليه المصلحة في تزويجه فإن له أن يزوجه، ولو بغير رضاه، رجل أو امرأة، فكثير من النساء تكون مخبلة ضعيفة العقل، أو معها مس أو نحوه، ولا تمييز لها، فلا بد أنه ينظر لها المصلحة، فإذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت