فهرس الكتاب

الصفحة 466 من 722

جاءه من يخطبها ولو كبيرا، ولو فقيرا، رأى في المصلحة تزويجها، فله ذلك؛ لأنه ليس لها اختيار، سواء عن نقص العقل أو فقده، وهو الجنون، معتوهة أو مجنونة، يزوجها بغير اختيارها؛ لأنه ليس لها اختيار.

كذلك أيضا استثنوا الثيب التي لها دون تسع، وإن كان ذلك -أيضا- نادرا، فلو قدر أن رجلا زوج ابنته، وهي بنت ثمان، ودخل بها زوجها ووطئها، ثم طلقها وأصبحت ثيبا، وعمرها دون التسع، فلأبيها أن يزوجها؛ وذلك لعدم تمييزها، ولعدم معرفتها بما هو الأصلح.

ذكرنا أن الأولى عدم تزويجها حتى ترشد، حتى تختار، وكذلك أيضا البكر جعلوا له تزويجها مطلقا؛ وذلك لأن الأب كما ذكروا أحنى على أولاده وأشفق عليهم، فلا يزوج إلا باختيار وبحرص، فجعلوا البكر ولو كان عمرها عشرين أبوها أحق بها، يعني يزوجها بدون اختيارها، وبدون أخذ رأيها، هكذا قالوا.

وقد ذكرنا الأدلة على أنها تختار، وأنه لا يجوز تزويجها إلا برضاها لعموم الأدلة"لا تنكح البكر حتى تستأذن"وهذا عام سواء أكان الأب أم غيره.

فالفقهاء اختاروا أن الأب له خصوصية، وألحقوا به -أيضا- وصيه إذا أوصى إلى إنسان، ذلك الوصي عدل، وموثوق فجعلوا الوصي يقوم مقام الأب في كونه يزوج الصغير ويزوج المعتوه -ولو كان بالغا- بدون رضاه، ويزوج المجنونة، ويزوج الثيب التي دون تسع، ويزوج البكر مطلقا ولو كانت ابنة عشرين، الأب ووصيه يزوجون هؤلاء بدون الرضى، والقول الثاني -وهو الصحيح سيما في هذه الأزمنة-: أنه لا بد من الرضى لهؤلاء مطلقا.

استثنوا أيضا السيد، يعني معناه إذا كان إنسان عنده مماليك: إماء وعبيد، فيزوج إماءه بدون رضاهن؛ وذلك لأن المصلحة له، فهو الذي يأخذ المهر، وأولادها يكونوا مماليك له -عبيدا- فله أن يكرهها، وأن يجبرها على أن تتزوج بمن يريد.

فله أن يكرهها، وأن يجبرها على أن تتزوج بمن يريد، ولعل الأرجح عدم جواز ذلك؛ لما فيه من التعذيب حسيا ومعنويا.

وكذلك -أيضا- عبده الصغير، ليس له إكراهه على أن يتزوج إلا برضاه؛ لأن ذلك يخضع لشهوته ونفسه وميلها.

لما ذكروا الأب ووصيه والسيد قالوا: لا يزوج بقية الأولياء صغيرة بحال، الأخ وابن الأخ والعم، وابن العم والجد، والابن وابنه لا يزوجون الصغيرة بحال، لا بد أنهم يتركونها حتى تبلغ وترشد، ولا يزوجون بنت تسع إلا بإذنها سواء أكانت بكرا أو ثيبا، إذا بلغت التسع، ولو كانت ثيبا.

ثم ذكروا كيف يعرف إذنها؟ ورد في الحديث:"رضا البكر صماتها""وسئل: إن البكر قد تُستأذن فتستحيي؟ فقال: إذنها سكوتها"فإذا سكتت فإن ذلك دليل على الرضى، أما إذا نطقت وقالت: لا أريده فإن ذلك لا يجوز إجبارها، وإذا تجرأت ونطقت وقالت: زوجوه -ولو كانت بكرا- جاز ذلك، يعني: بطريق الأولى، إذا كان رضاها السكوت فالنطق دليل الرضا -أيضا-.

وأما الثيب فلا يُكتفى بالسكوت، لا بد أنها تنطق وتتكلم صريحا بأنها قد رضيت، أو زوجوه أو قبلته، أو ما أشبه ذلك.

أما الشرط الثالث: الولي.

والولي هو ولي المرأة الذي يتولى العقد لها واشتراطه قول الجمهور، ووردت الأحاديث كثيرة، منها قوله - صلى الله عليه وسلم -"لا نكاح إلا بولي"وهو حديث مشهور، رواه نحو خمسة من الصحابة أو أكثر.

وورد -أيضا- حديث:"لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها"وهذا هو قول الجمهور، واستدلوا -أيضا- بقوله تعالى: {فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} فدل على أن الولي هو الذي يمنع المرأة، العضل: المنع أي: لا تمنعوهن من نكاح أزواجهن، أي من الزواج.

ذهب الأحناف إلى أنه يصح للمرأة أن تزوج نفسها، وعللوا بأنها أملك لنفسها، وإذا كانت تملك نفسها فإنها تزوج نفسها، أملك بنفسها، وهي -أيضا- تملك أمتها، فلها أن تزوج أمتها، أدلة الحنفية تعليلات، وقد استدلوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت