والشرط الثاني: دخول الوقت لقوله -تعالى-: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (103) } [1] من حكمة الله -تعالى- أنه ما أوجب الصلوات جميعا يعني سبع عشرة ركعة في وقت واحد، فإنه قد يشق، يعني قد يصعب سردها جمعها في وقت واحد، فجعلت متفرقة، ومن الحكمة في ذلك تجدد الصلة بالله، وذلك؛ لأن العبد إذا غفل وقتا من الأوقات.
وهذه الغفلة قد تقسي القلب دخل عليه وقت من الصلاة، فهذا الوقت يؤدي فيه عبادة فيها ذكر، وفيها دعاء، وفيها قراءة، وفيها خشوع، وفيها إنابة، وفيها تذلل فيكون هذا الذكر وهذه العبادة مما تصقل القلب ومما تنشطه على العبادة، ومما يزيل ما هو به من الغفلة، وما وقع من آثارها من القسوة، أطول الأوقات التي لا صلاة فيها بعد العشاء وبعد الفجر، وذلك؛ لأن بعد العشاء محل راحة غالبا ومحل نوم ومع ذلك شرع فيه التهجد ووردت الأدلة في تأكيد التهجد وفي تأكيد صلاة الليل، وهي مشهورة، والثاني بعد الفجر إلى الظهر ومع ذلك شرع فيه صلاة الضحى.
الحكمة أن يكون هذا الوقت الطويل، لا يخلو من صلاة ولا تطوع، أما بقية الأوقات فإنها متقاربة، من الظهر إلى العصر من العصر إلى المغرب، من المغرب إلى العشاء هذه أوقات متقاربة؛ فلأجل ذلك لا تطول فيها الغفلة، هذه المواقيت قد تؤخذ من عموم الآيات أو من ظواهرها، استنبطت من آية في سورة هود {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ} [2] طرفي النهار يدخل في الطرف الأول صلاة الفجر وفي الطرف الثاني الظهر والعصر؛ لأنهما في النصف الثاني من النهار، {وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ} [3] أي المغرب والعشاء؛ لأنهما في أول الليل، والآية الأخرى في سورة الإسراء قوله -تعالى-: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ} [4] .
فدلوك الشمس يعني ميلها، يدخل فيه الظهر والعصر، غسق الليل يدخل فيه المغرب والعشاء، قرآن الفجر يعني صلاة الفجر، واستنبطت أيضا من قوله -تعالى- في سورة الروم: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (18) } [5] .
فحين تمسون يدخل فيه صلاة المغرب والعشاء، وحين تصبحون يدخل فيه صلاة الفجر، وعشيا صلاة العصر، وحين تظهرون صلاة الظهر، هكذا فسرها المفسرون، بدأوا بالظهر؛ لأن الذي قبلها ليس وقتا لشيء من الفرائض، أي ما بين طلوع الشمس إلى زوال الشمس لم يوقت فيه فريضة، فهو ليس وقتا لشيء من الصلوات المكتوبة.
(1) - سورة النساء آية: 103.
(2) - سورة هود آية: 114.
(3) - سورة هود آية: 114.
(4) - سورة الإسراء آية: 78.
(5) - سورة الروم آية: 17 - 18.