النية إذا كانت حسنة صالحة وفق الله العبد للعمل الصالح، فإذا نويت بهذا التعلم رفع الجهل، فإن الإنسان خُلق جاهلا، كما قال تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا} [1] .
فالإنسان خلق جاهلا، وذلك الجهل نقص، فيزول هذا النقص بالتعلم؛ حيث أعطانا الله السمع والبصر واللسان والفؤاد، وهي من وسائل التعلم.
فحسن النية أن تنوي رفع الجهل، وهو نقص. ومن حسن النية أن تنوي حمل العلم الذي حمْله شرف، وحمله فضيلة. ومن حسن النية أن تنوي العمل بهذا العلم، حتى إذا عملت عملتَ على بصيرة، على نور وبرهان.
ومن حسن النية أن تنوي نفع نفسك؛ حيث تعمل بالعلم ويقبله الله منك، أو تثاب على هذا العلم الذي تعلمته.
ومن حسن النية أن تنوي ميراث الأنبياء، أن تكون من ورثة الأنبياء الذين ورّثوا العلم، من أخذه أخذ بحظ وافر.
ومن حسن النية أن تنوي نفع الناس الجهلة، الذين يحتاجون إليك وإلى أمثالك، وهم كثيرون في البلاد، فقد يتعلم فرد العلم الشرعي، ويرجع إلى بلدة يغمرها الجهل ويكثر في أهلها، فلذلك إذا تعلم وفّقه الله -تعالى-، وعلم أهل بلده واستفاد، واستفادوا منه ونفعهم، وكان له أجر على تعلمه، أجر كبير، حيث أنه يبث ما معه من العلم ويفقه الأمة، ويدعوهم إلى الله،"ومن دعا إلى هدى كان له مثل أجور من تبعه، من غير أن يُنقص من أجورهم شيء"وفي الحديث:"لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حُمْر النعم".
ونوصيك أيضا بمواصلة التعلم، فإن العلم كثير ليس له نهاية، هذه المدة التي تتعلمها في هذه الدورة قليلة، بالنسبة إلى بقية الحياة، لا تنال فيها إلا جُزءا يسيرا من العلم، وأنت تعرف أن هذه العلوم تعتبر مبادي، وأن كل علم له فروع وله شروحات، فإذا انتهيت من هذه الدورة فعليك المواصلة، بقراءة الشروح والتعاليق والحواشي، والحرص على استظهارها، وعلى تذكر معانيها؛ حتى تبقى هذه المعلومات، وعليك التزود فيما بعد، ولو إلى نهاية الحياة.
تذكر وصية بعض العلماء الذي يقول:"اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد". يعني: إلى الموت. وما ذكر عن الإمام أحمد وغيره أنه يقول:"من المحبرة إلى المقبرة". أي: نحمل المحبرة التي هي الدواة، نكتب بها الفوائد ولا نفارقها إلا إذا متنا،"من المحبرة إلى المقبرة"، وأشباه ذلك.
فكل هذا دليل على أنه لا بد من مواصلة التعلم، وأن الإنسان مهما بلغ من العلم فإن علمه قليل.
وليس كل العلم قد حويتَ
أجَلْ ولا الإشراق ولو أحصيتَ
لو عُمِّرت مائة سنة ما وصلت إلى عشر العلوم، ولكن الله -تعالى- جعل بعض العلوم فريضة يلزم العمل بها، ويلزم تعلمها، وجعل البقية نافلة، إذا تعلمها كان من حملة العلم الذي قد يحتاج إليه، فتكون العلوم منها ما هو فرض عين، وهي الأشياء التي كُلف بها العبد أن يعمل بها، ومنها ما هو فرض كفاية، وهي العلوم التي يلزم الأمة أن يتعلموها ويحملوها.
موضوعنا هذا هو موضوع"الفقه في الدين"، الذي هو تعلم الأحكام؛ وذلك لأن العلماء -رحمهم الله-، لما قرءوا هذه النصوص من الكتاب والسنة -استخرجوا منها الأحكام، وجعلوها في هذه الكتب، وسموها"الفقه": الذي هو الفهم في الأحكام، واستنباط الأحكام من الأدلة، وذكر كل مسألة قد يُحتاج إليها، فدونوها في هذه الكتب، وسموها"كتب الفقه".
وتعرفون أيضا ما فيها من الخلاف بين العلماء المجتهدين؛ حيث أن هناك أقوالا للأحناف الذين هم على مذهب أبي حنيفة، وخالفتها أقوال ومسائل لمن هم أتباع مالك، وخالفتها أيضا أقوال لأتباع الشافعي، وخالفها أقوال لأتباع الإمام أحمد بن حنبل، وهذا الاختلاف الذي وقع بينهم، الأصل أنه سبب الاجتهاد، وسبب اختلاف الآراء، وسبب
(1) - سورة النحل آية: 78.