اختلاف الأفهام، وقد يكون سببه أيضا وقوع خلاف بين الأدلة، والمحققون يجدون جوابا على اختلاف الأدلة، يجمعون بينها حتى لا يكون بينها اختلاف؛ وذلك لأن مصدرها واحد، لأنها إما من كتاب الله، وإما من سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - الاختلاف الذي يكون بينها يمكن الجمع بينه، وإذا لم يمكن حرصوا على أن يجمعوا بينها بأية وسيلة.
وقد مر بنا في السنوات الماضية أمثلة لذلك، أمثلة لهذه المسائل التي وقع فيها خلاف، نحن الآن في أواخر"كتاب الأحكام"، هذا الكتاب الذي هو"أخصر المختصرات"، من أخصر كتب الفقه، اختصره مؤلفه من"زاد المستقنع"، وزاد عليه بعض الجمل، ونقّص منه كثيرا، فهو قد اختصره لأجل أن الذي يحفظه، أو الذي يفهمه يكون عنده علم بمجمل الأحكام الفقهية، التي يحتاج إليها في هذه الحياة الدنيا.
نبدأ في هذه السنة من"كتاب الطلاق"، إن تمكنا من إكماله، وإلا فبقيته نكملها -إن شاء الله- في السنة القادمة. تعريف الطلاق:
الطلاق في اللغة يراد به: فك الشيء المربوط، وحل الرباط ونحوه. يقولون: أطلق البعير، فهو مطلق ومطلَّق، يعني: غير مربوط بعد أن كان مربوطا، طلق رباط البعير أو الشاة ونحو ذلك، وسمي بذلك؛ لأنه بعد حله ينطلق، يعني: يذهب حيث يريد.
الطلاق في الاصطلاح أو في الشرع: اسم لمفارقة الزوجة، وإطلاق سراحها.
سماه الله -تعالى- بذلك، في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [1] .
ولذلك تسمى هذه السورة"سورة الطلاق"، وذكر أيضا في"البقرة"في قوله تعالى: {وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227) } [2] وفي قوله: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ} [3] وفي قوله: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} [4] إلى قوله: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [5] وغير ذلك من الآيات، المراد به إطلاق سراح المرأة.
الزوجة بعد عقد النكاح يلزمها أن تكون مقيدة مع زوجها، أن تكون معه لا تقدر على أن تعصيه في نفسها، ولا أن تذهب إلا بإذنه، ويحل له الاستمتاع بها؛ فهي معه وهي في عصمته وفي ذمته، فإذا كرهها فإن له رخصة في أن يفارقها، ويسمى هذا الفراق طلاقا. حكم الطلاق:
ذكر العلماء أنه تتعلق به الأحكام الخمسة: يباح للحاجة، ويكره بلا حاجة، يعني: هذا المباح، يعني: أنه يباح للحاجة، ما المراد بالحاجة؟
إذا تضررت المرأة مثلا، أو كره الرجل خُلق المرأة، أو سوء معاملتها -فإنه يكون مباحا، لا ثواب ولا عقاب، ويكره لغير الحاجة، إذا كانت الحالة مستقيمة بين الزوجين، وكل منها يسير سيرا مستقيما مع الآخر -فإن الطلاق يكون مكروها، ولو كان حلالا؛ ولذا جاء في الحديث:"أبغض الحلال إلى الله الطلاق"؛ وذلك أنه حلال، ولكنه مكروه. لماذا؟
لأنه يفرق بين الزوجين، ولأنه قد يفرق بين الأولاد وأحد أبويهم، ولما فيه من إضاعتها.
(1) - سورة الطلاق آية: 1.
(2) - سورة البقرة آية: 227.
(3) - سورة البقرة آية: 228.
(4) - سورة البقرة آية: 229.
(5) - سورة البقرة آية: 230.