الزوجة متى طلقت، فإنها قد يكره الناس عشرتها ونكاحها، يقولون: ما طلقت إلا وفيها ضرر أو أنها غير صالحة. وهكذا أيضا الرجل"الزوج"، قد يتضرر ولا يرغبه أحد؛ حيث يقولون: إنه كثير الطلاق، أو يطلق بلا سبب. فلذلك يكون الطلاق من غير حاجة مكروها، وإن كان واقعا.
ويستحب لتضررها، إذا تضررت الزوجة، وليس التضرر خاصا أن يضرها الجماع، وإنما تضررها أن تتضرر بسوء خُلق الزوج، إذا كانت تكرهه لسوء خُلقه ولسوء معاملته، بحيث أنه إذا أمسكها تضررت وتمنت فراقه، حتى ربما تبذل من مالها -وهو ما تقدم في"باب الخُلع"- بحيث تحتاج إلى المخالعة، فإذا وصلت إلى حالة تتمنى الفراق، استحب له أن يطلقها، سواء تتضرر بكثرة الجماع منه، أو تتضرر بسوء معاملته أو ما أشبه ذلك.
وكذلك إذا ساءت أخلاقها، إذا رآها لا تصلي استُحب أن يطلقها، أو رآها قليلة الديانة، أو رآها ليست عفيفة، يخشى أنها تفسد عليه نفسها، وتفسد عليه فراشه، أو تُدخل عليه من ليس من أولاده إذا كانت متهمة بالفاحشة، ففي هذه الحال يستحب له فراقها؛ حتى يسلم من هذه المصائب وما أشبهها. الذي يصح منه الطلاق:
ثم من الذي يصح منه الطلاق؟ وقد وضح الحديث:"إنما الطلاق لمن أخذ بالساق"وهو الزوج الذي يملك الاستمتاع بامرأته، فهو الذي يطلق، فلو طلق أبوه ما وقع، ولو طلق ابنه أو أخوه ما وقع، إلا إذا وكّل.
لا يصح إلا من الزوج، وإذا كان الزوج صغيرا غير مميز لا يقع طلاقه، وأما إذا كان قد بلغ سن التمييز، يعني: قرب من العاشرة وعرف أن الطلاق يسبب مفارقة الزوجة -فإن له والحال هذه أن يطلق، ويقع طلاقه ولو كان دون البلوغ. متى لا يقع الطلاق:
متى لا يقع الطلاق؟ لا يقع إذا كان معذورا، إذا كان معذورا بزوال عقله، كما لو شرب مسكرا جاهلا ولم يعلم أنه حرام، فطلاقة لا يقع؛ لأنه يتكلم بما لا يعقل، واختلف فيما إذا طلق وهو سكران، عالما أو متعمدا السكر، هل يقع طلاق السكران أم لا؟
معلوم أن السكران يهزو في كلامه ولا يعقل ما يقول؛ حيث إن هذا السكر قد غطى عقله وغطى معرفته، أكثر العلماء يقولون:"إنه يقع".. لماذا؟
لأنه تعمد شرب المسكر، فيقع طلاقه عقوبة له؛ ولأنه يعرف ما يترتب على شرب المسكر: يترتب عليه الغيبوبة، يترتب عليه زوال العقل وزوال المعرفة، فهو كأنه مقدم على هذا الأمر، فيقع عقوبة له، هكذا قال أكثر العلماء:"إنه يقع طلاق السكران".
ويختار بعض المحقيقين أنه لا يقع، اختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، وبه يفتي شيخنا ابن باز -رحمه الله-؛ وذلك لأنه في تلك الحالة لا يدري ما يقول، والله تعالى يقول: {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [1] وهو لا يعلم ما يقول، فكلامه لا يعاقَب ولا يحاسَب عليه.
معلوم أنه سيقام عليه الحد، الذي هو الجلد أو السجن أو نحو ذلك، فأما أن نؤاخذه بما يتصرف فيه فلا، ثم إن بعض الناس يستحلون ما يقدرون عليه من أموال السكران. بعض السكارى -والعياذ بالله- إذا سكر خرج وجعل يمشي في الأسواق، فإذا أشار مثلا إلى صاحب سيارة، وركب معه وعرف أنه سكران -أخذ يطلب ما معه حتى يسلبه ما معه، ولو كان ألفا أو ألوفا، وربما يأخذ ما معه مما هو ثمين، كساعة أو نحوها، هذا حرام، تهتبل غفلته حيث أنه لا يدري.
وهكذا أيضا بعض السكارى -والعياذ بالله-، وهؤلاء إذا دخلوا بيت إنسان وشرب، ورأوا أنه سكر، فإنهم يسلبون ما عنده من المال ويخرجون، ويقولون: إنه حلال لنا لأنه سمح وأعطانا. وهذا حرام.
لا شك أنه يستحق العقوبة الشديدة؛ حيث إنه تعاطى ما يزيل عقله، ولكن كوننا نستحل أمواله، أو نأخذ منه ما ليس حقا لنا، هذا لا يجوز.
(1) - سورة النساء آية: 43.