أما إذا كان عقله زال بعذر، بمعنى أنه شرب وهو لا يدري، أو مثلا بُنِّج، يعني: ضرب بالبنج الذي أزال شعوره، فتكلم بما لا يعقل وطلق -فإنه لا يقع.
وهكذا المكره، المكره: هو الذي أُلجئ على التلفظ بالطلاق وهدد، وكان الذي هدده إذا قال فعل، يعني: قادر؛ فطلق لذلك فلا يقع طلاقه، إذا أكرهه سلطان أو رئيس أمر، أو مثلا: أهل المرأة جاءوا إليه قالوا:"طلق وإلا قتلناك". أو أحد أوليائها الذين يريدونها لأنفسهم:"طلق وإلا قتلناك". هددوه بالسلاح وهم قادرون ومعهم الأسلحة، فطلق بناء على كلامهم -فالأصل أنه مغلوب على أمره، والمكره قد أبيح له أن ينطق بكلمة الكفر في قوله تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [1] فكل شيء فيه شيء من الإكراه، لا يقع به الطلاق.
أتذكرون قصة الرجل الذي نزل يشتار عسلا؟ رأى عسلا في قمة جبل، ولا يوصل إليه إلا من الأعلى، فقال لامرأته:"إني ساتدلى بهذا الحبل، فأمسكي هذا الحبل". فأمسكته وتدلى، ولما كان في نصف الطريق قالت له:"طلقني وإلا أطلقت الحبل حتى تسقط". لو أطلقتْه سقط من قمة الجبل، ولم يصل إلا قطعا، فخوفها فلم تقبل، فطلقها، ولما صعد ذهب إلى عمر وسأله فقال:"راجع امرأتك، لا يقع مثل هذا الطلاق". هذا مثال على الإكراه. التوكيل في الطلاق:
ومن صح توكيله فيه وتوكله، ومن لم يصح طلاقه فلا يصح توكيله، فلو قال رجل: وكلتك تطلق زوجة ابني. فهل تطلقها؟ وكلك أبوها، ما يصح وليس لك أن تطلقها؛ لأن الأب لا يصح أن يطلق زوجة ابنه، أما إذا وكلك هو قال:"وكلتك على أن تطلق زوجتي فلانة"-فلك أن تطلقها، بشرط أن يكون الوكيل عاقلا عارفا أثر الطلاق، وأن يكون الموكّل عاقلا عارفا أثر الطلاق، فلا بد أن يكون الوكيل والموكِّل كلاهما مما يصح طلاقه، فيصح توكل العاقل البالغ الرشيد، ويصح توكيله.
هل يصح توكيل المرأة في طلاق نفسها؟ يصح ذلك، إذا قال لها:"وكلتك تطلقين نفسك متى طلبت أو متى رغبت". فإذا رغبت وقالت:"قد طلقت نفسي"-وقع؛ لأنه سمح لها بذلك، سمح بتطليقها، فيقع الطلاق، يصح توكيل المرأة في طلاق نفسها، ويصح في طلاق غيرها.
لو وكل امرأة أجنبية،"وكلتك أن تطلقي امرأتي فلانة". امرأة عاقلة عارفة، يصح أن تكون وكيلة في الطلاق، وكيلة في طلاق نفسها، ووكيلة في طلاق ضرتها، ووكيلة في طلاق امرأة بعيدة. طلاق السنة وطلاق البدعة:
ذكروا أن الطلاق: طلاق سنة، وطلاق بدعة. ما صفة طلاق السنة؟
طلاق السنة: أن يطلقها طلقة واحدة، وأن تكون في طهر، وأن لا يكون قد وطئها في ذلك الطهر، في طهر لم يجامع فيه، لم يكن وطئها في ذلك الطهر، هكذا هذا طلاق السنة، إذا كانت قد دخل بها.
طلاق الثنتين بدعة"طلقتين"، وطلاق الثلاث"جمع الثلاث"، طلاق بدعة.
اختلف هل يقع إذا طلقها ثلاثا؟ فقال:"أنت طالق وطالق وطالق"،."أنت طالق ثم طالق ثم طالق"،"أنت طالق ثلاثا"، أو قال:"أنت طالق مائة"أو نحو ذلك، فهل يقع؟
الجمهور على أنه يقع؛ وذلك لأن هذا هو الذي اجتمع عليه الصحابة، وعمل به الأئمة الأربعة، على أن من جمع الطلاق الثلاث بلفظ واحد، أن طلاقه يحسب، وأنها لا تحل له إلا بعد زوج، هذا هو قول الجمهور.
خالف في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وقال:"لا يقع إلا واحدة، إذا طلقها بالثلاث،"طالق وطالق وطالق"، إنما يقع طلقة واحدة". لماذا خالفت الجمهور؟ لماذا خالفت الأئمة الأربعة وأتباعهم؟
يقول:"إني ابتليت بالمحلل". لما كان في زمانه كثر المحلل، إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا، استأجر من يحللها له، والمحلل ملعون، في الحديث:"لعن الله المحلل والمحلَّل له"فيقول:"إنه جاء في حديث، في صحيح مسلم، أن"
(1) - سورة النحل آية: 106.