فهرس الكتاب

الصفحة 538 من 722

الطلاق الثلاث كانت تحسب في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - واحدة، وكذلك في عهد أبي بكر، وأن عمر هو الذي أجراها وجعلها ثلاثا؛ اجتهادا منه، فأعملُ بهذا الحديث، أعملُ بما كان في العهد النبوي". هذا عذر الإمام ابن تيمية."

ويفتي بذلك شيخنا ابن باز -رحمه الله-: أن جمع الثلاث -طالق ثلاثا، أو طالق بالثلاث- أنها تكون واحدة، هكذا جاء في هذا الحديث، ثم العلماء أجابوا عن حديث ابن عباس، الذي فيه أن الثلاث واحدة، أجابوا بستة أجوبة تجدونها في كتب الشروح:

"كسبل السلام"، و"نيل الأوطار"، وغيرها، منها أنه كان منسوخا ولم يتفطن لنسخه إلا عمر، ومنها أن الحديث مضطرب ولا يعمل به، ومنها أن ابن عباس خالف هذا الحديث، وأفتى بأن الثلاث تكون ثلاثا، ولو كانت بلفظ واحدة، إلى غير ذلك، ثم منهم من يقول:"إذا قال: طالق ثلاثا أو طالق بالثلاث"بكلمة واحدة"-فهي واحدة، فإذا قال:"طالق وطالق وطالق"، أو"طالق ثم طالق ثم طالق"-لم يقع إلا واحدة".

هكذا يعتبر، لم يقع إلا طلقة واحدة،"طالق بالثلاث"أو"طالق ثلاثا"، بخلاف ما إذا قال:"طالق وطالق ..."أو"طالق ثم طالق ..."-فتقع الثلاث.

ثم طلاقها وهي حائض طلاق بدعة، وطلاقها في طهر قد جامعها فيه طلاق بدعة، ولكن هل يقع؟ ففي ذلك أيضا خلاف، فشيخ الإسلام وتبعه الشيخ ابن باز على أنه لا يقع، إذا طلق وهي حائض، أو في طهر قد جامع فيه، والجمهور على أنه يقع، ولو كان طلاقَ بدعة، هذا قول الجمهور.

يقول هنا:"إذا طلق مدخولا بها، أو في زمن الحيض، أو في طهر جامع فيه -فهو طلاق بدعة محرم ويقع، ولكن تسن رجعتها". واستدلوا بحديث ابن عمر:"أنه طلق امرأته وهي حائض، فأخبر عمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستاء لذلك وقال:"مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم ليطلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء"."

فقوله:"فليراجعها". دليل على أن الطلاق قد وقع، فهذا معنى قوله:"تسن رجعتها". فإن الرجعة لا تكون إلا بعد طلاق، فيدل على أنه طلقها في حيض ووقعت، وأمر أن يراجعها.

إذا راجعها في ذلك الحيض، أمسكها حتى إذا طهرت بعد ذلك الحيض، فإنه يجامعها؛ لأن الرجعة تكون بالوطء، ثم بعد ذلك يمسكها، فإذا مضى ذلك الطهر، وحاضت حيضة أخرى وطهرت -بعد ذلك إن شاء طلق، وإن شاء أمسك.

أمره بأن يراجعها في ذلك الحيض حتى تطهر، الطهر الذي بعد ذلك الحيض يطؤها فيه، ولا يطلقها بذلك الطهر، حتى تحيض حيضة غير التي طلقها فيه، فإذا حاضت أمسكها حتى تطهر، فإذا طهرت من الحيضة الثانية طلقها إن شاء، أو أمسكها.

وإذا تأملنا ذلك، وجدنا أن الحكمة فيه تقليل الطلاق؛ لأن الشرع يكرهه، وذلك لأنه مثلا إذا حاضت، قد تكرهها نفسه وهي حائض أو نفساء؛ لأنه لا يقدر على الانتفاع بها والاستمتاع، فإذا طلقها وهي حائض، كان ذلك تسرعا منه فيندم، بخلاف ما إذا أمسكها، نقول له:"أمسكها حتى تطهر". إذا طهرت فقد تغلبه شهوته فيطؤها، فإذا وطئها بذلك الطهر قلنا له: لا تطلقها في ذلك الطهر حتى يتبين حملها. فإذا أمسكها وتبين حملها، فقد يرغبها، فإذا حاضت المرة الثانية قلنا له: لا تطلقها في هذا الحيض فهو طلاق بدعة، أمسكها حتى تطهر.

لا يجوز الطلاق في الحيض، يمسكها مع كراهته لها، إذا طهرت من الحيضة الأخرى فقد يندفع إليها ويجامعها، فإذا جامعها عرف أيضا أنه لا يحل أن يطلقها في ذلك الطهر الذي وطئها فيه، وهكذا يمسكها، ربما يتغير ما في قلبه، ربما يتراجع عن عزمه على الطلاق، فيمسكها ويبقيها زوجة له، وتصلح الحال بينهما.

هذا هو السبب في النهي عن طلاق البدعة، عرفنا أن طلاق البدعة جمع الثلاث، طلاق بدعة، ويقع عند الجمهور، وأن من طلاق البدعة الطلاق في الحيض، ومع ذلك يقع عند الجمهور، وأن من طلاق البدعة أن يطلق في طهر قد جامع فيه، ويقع عند الجمهور، ولا يقع عند بعض المحقيقين.

كذلك أيضا عرفنا أن مما وقع فيه الخلاف، إذا طلق في حالة غضب"طلاق الغضبان". قسم العلماء الغضب إلى ثلاثة أقسام: بادئ الغضب، يقع الطلاق فيه بلا خلاف.

والغضب الشديد الذي لا يذهب الإحساس، يقع الطلاق فيه عند الجمهور، وخالف في ذلك شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، وألف ابن القيم رسالة مطبوعة اسمها"إغاثة اللهفان في طلاق الغضبان"، ورجح أنه لا يقع، وكذلك القسم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت