فهرس الكتاب

الصفحة 546 من 722

إذا لم يتلفظ بذلك الشرط، وادعاه بعد ما وقع الفعل، بعد ما وقع الطلاق- لم يقبل حكما، وأما إذا لم يسأل، وكانت هذه نيته، أو دلت على الشرط قرائن- فإنه يقبل؛ وذلك لأن هذا شيء بينه وبين الله، لا يعلم ما في قلبه إلا الله. فإذا قال: ما طلقتها بهذا اللفظ إلا إذا فعلت هذا الفعل: إذا سمعت أغاني -مثلا-، أو إذا خاطبت أجنبيا، أو إذا خرجت إلى الأسواق بدون إذني، أو إذا تبرجت، وتكشفت للناس، أو ما أشبهه، هذه نيتي. أنت ما تكلمت بهذا، سمعك فلان وفلان تقول: أنت طالق، أو امرأتي طالق، ولم تقل: إن خرجت، ما أتيت بالشرط. فإذًا لا يقبل منه إلا إذا كان ذلك بينه وبين الله، ولم يسمع الطلاق منه أحد إلا امرأته.

يقول: لا يصح الطلاق إلا من زوج ذكرنا بالأمس قول النبي- صلى الله عليه وسلم-"إنما الطلاق لمن أخذ بالساق"يعني الزوج. فإنه هو الذي يمسك امرأته وقت الوقاع، يمسك ساقها، ويمسك عضدها. الطلاق للزوج، فلو طلق عليه أبوه لم يقع. لا يقول: امرأة ابني طالق، أو امرأة ولدي طالق، أو امرأة أخي، ما يقع الطلاق إلا من الزوج.

ذكرنا -أيضا- بالأمس- أن الطلاق له صريح، وله كناية. ذكر صريح الطلاق: أنت طالق، أنت مطلقة، وقد طلقتك، وكذلك فارقتك، وسرحتك، وما أشبه ذلك، هذا صريح، والكناية: ما يقع بها الطلاق إلا مع النية، كناية الطلاق: هي اللفظ الذي ليس بصريح مثل: اخرجي واذهبي، وذوقي وتجرعي، وأنت خلية، وأنت برية، وأنت بائن، وأنت حرة، وأنت حرج، ولست لي بامرأة، وحبلك على غاربك، وأمثال ذلك، فهذه محتملة. فإذا كان هناك نية، أو هناك قرينة وقع الطلاق بالكناية. ما يقطع الشرط والاستثناء:

ثم يقول: يقطعه فصل بتسبيح وسكوت، لا كلاما منتظما.

الضمير في (يقطعه) الشرط والاستثناء، يقطعه تسبيح وسكوت. فلو قال -مثلا-: أنت طالق -سبحان الله والحمد لله والله أكبر- إن قمت، إن خرجت. بطل الشرط، وقع الطلاق، ولا ينفعه هذا الشرط، وكذلك لو سكت: لو قال أنت طالق. ثم سكت سكوتا يمكنه أن يأتي فيه بكلام، وبعد سكوته قال: إن ركبت مع أجنبي.

لماذا لم تأت بالشرط ساعة ما نطقت بالطلاق؟! لا ينفعه، هذا شرط متأخر بينه وبين الكلام. أما إذا كان الكلام متواصلا فإنه -والحال هذه- يقع، أو يعتبر الشرط، مثل له بقوله: أنت طالق يا زانية إن قمت. هذه هي الشرط، فصل بينها بقوله: يا زانية، وهكذا لو دعاها باسمها: إذا قال: أنت طالق يا بنت زيد إن خرجت بلا إذني. فهذا كلام متصل، يعتبر الشرط، لا تطلق إلا إذا خرجت بغير إذنه. الطلاق المعلق بشرط يقع متى وقع الشرط:

ثم ذكر أدوات الشرط، وهي معروفة في علم النحو، وغيره، لكن اقتصر هنا على ثلاث:"إن"وهي الأصل، و"متى وإذا". فإذا قال: أنت طالق إن كلمت زيدا هاتفيا، أو أنت طالق متى خرجت بدون إذني، أنت طالق إذا ركبت مع سائق أجنبي. أتى بـ"إن وإذا ومتى"، اعتبر ذلك، ووقع الطلاق إذا وقع الشرط.

هذا هو قول جمهور العلماء: إن الطلاق المعلق يقع بوقوع ذلك الشيء الذي علقه، إذا كان ذلك في الإمكان وأما إذا علقه بشيء غير متصور، فإنه لا يقع. مثل له بعض العلماء بما إذا قال: أنت طالق إن طرت، أو صعدت إلى السماء، أو قلبت الحجر ذهبا، أو رددت اليوم الماضي، أو أحييت هذا الميت. فهل يقع الطلاق؟ هذا شيء لا يتصور، ولا يمكن أن تقدر عليه؟ لا يمكن أن تقدر أن تقلب الحجر ذهبا، ولا أن تحيي الأموات، ولا أن ترد -مثلا- يوم السبت، وأما أذا عكس ذلك فإنها تقع الطلقة إذا قال: أنت طالق إن لم تحيي هؤلاء الموتى، تطلق في الحال، أنت طالق إن لم تصعدي إلى السماء، تطلق في الحال، وأشباه ذلك.

نقول: الطلاق المعلق بشرط: جمهور العلماء على أنه يقع متى وقع الشرط، ولكن في ذلك خلاف: فذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أنه إذا لم ينو الطلاق، وإنما نوي التهديد، اعتبر يمينا، وكان كفاه أن يكفر كفارة يمين، وهذا هو الواقع كثيرا من الناس؛ أنه لا يقصد الطلاق، وإنما يقصد الحظر، أو المنع، يريد بذلك تهديدها. فإذا طلبها من أهلها، وقال: اركبي معي، اذهبي إلى البيت. فتثاقلت، فقال: إن لم تذهبي معي فأنت طالق. يقول: ما أردت طلاقها، ولكن أردت تخويفها حتى تخاف من الطلاق، وتركب معي. ولكنها تمادت وعصت، ولم تركب معه هل يقع طلاقا؟ يفتي شيخ الإسلام بأنه يكفر بإطعام عشرة مساكين كفارة يمين، هذا قصده الحظر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت