كذلك إذا طلب أن يزور أهله، وهي معه، هلم فلنذهب إلى أهلي. تثاقلت، فقال: إن لم تركبي معي، وتذهبي إليهم فأنت طالق. يريد بذلك تخويفها حتى تنتبه له وتطيعه، ولا تتخلف، ولكنها امتنعت. هل يقع الطلاق؟ يقول شيخ الإسلام: عليه كفارة يمين. وهذا يقع كثيرا من الكثير من الأزواج، فيعتبره شيخ الإسلام يمينا، ويعتبره غيره طلاقا معلقا.
إذا قال -مثلا-: إن خرجت من البيت فأنت طالق. ما أريد طلاقها، ولكن أريد أن لا تخرج، أو قال -مثلا-: إن ركبت مع فلان، أو إن كلمت فلانا ولو هاتفيا فأنت طالق، ما أريد فراقها، ولكني أريد تهديدها حتى لا يقع منها هذا العصيان. فهذا يعتبره شيخ الإسلام يمينا عليه فيها كفارة اليمين، ولو لم يكن حلفا صريحا، ولكن كأنه حلف، كأنه يقول: والله لتذهبين معي، أو لأمنعنك أن تركبي مع فلان، أو أن تكلمي أجنبيا، أو ما أشبه ذلك، فيكون هذا حلفا، ولما أفتى شيخ الإسلام بهذا وافقه كثيرون، حتى الخصوم الذين خالفوه في كثير من المسائل الفرعية والأصلية وافقوه على هذه الفكرة، وله رسالة في تعليق الطلاق بالشروط، وكون ذلك يمينا، طبعت في المجلد الرابع والثلاثين، ومع ذلك أخرجت طبعت في نسخة مستقلة، وعلق عليها، وجعل لها مقدمة، وهذا يريح كثيرا من الذين يطلقون -أي يعلقون الطلاق- بشرط مستقبل، ولا يكون قصدهم إيقاع الطلاق.
وأما الشيء الذي ليس باختيارها فإنه- على الصحيح- يقع به الطلاق، مثلنا في أول الكلام: إذا قال: إن ولدت أنثى فأنت طالق. ها هنا تطلق؛ وذلك لأنها ليست تختار الذكور ولا الإناث، وكذلك قال: أنت طالق إذا دخل شهر ربيع الثاني. ها هنا لا يقال: إنه تهديد، ولا أنه حظر، ولا أنه منع، فتطلق، وكذلك لو قال: أنت طالق إذا قدم زيد من سفره. قدومه ليس باختيارها، لا يصلح تهديدا ولا وعيدا، وليس فيه حظر ولا منع. فكل شيء ليس في إمكانها أن تفعله فإنه يقع، ويكون طلاقا معلقا بشرط.
وأما الأشياء التي يكلمها وبالإمكان أن تفعل أو تترك فيعتبرونها يمينا، ويفتي بذلك شيخنا عبد العزيز بن باز -رحمه الله- وغيره من زملائه، فيقولون: إذا جاءهم من يقول: إني قلت لامرأتي إن خرجت إلى السوق فأنت طالق. ثم ندمت، فماذا أفعل؟ يقولون: هل أنت تريد الطلاق، أو أنت لا تريده، وإنما تريد منعها؟ فإذا قال: أنا أريد امرأتي، ولا أرغب فراقها، ولكني أردت أن تمتنع، وأردت أن تترك هذا الخروج. فيقولون: إذًا عليك الكفارة. أما إذا قال: إني عازم على الطلاق، وأريد أن يكون هذا آخر عهدي بها، خروجها أو مكالمتها، ولا أريدها بعد ذلك، أنا أريد طلاقها، ولكن يتوقف طلاقها على هذا الفعل. فهنالك تقع الطلقة أو الطلقات.
بعد ذلك مثل أتى بأمثلة: إن كلمتك فأنت طالق، فتنحي، أو تحققي، أو نحو ذلك. طلقت؛ وذلك لأنه كلمها أليس قوله: فتحققي كلام، أو تنحي طلقت؛ وذلك لأنه علق الطلاق بكلامه، ومع ذلك أوقع الكلام فتطلق.
هذا قول الجمهور: إن التعليق يقع به طلاق. وأما على قول شيخ الإسلام: فإنه لا يقع، ويكون يمينا إذا لم يقصد الطلاق، وإنما قصد منع نفسه أن يكلمها -بهذه الحال- كلاما مطلقا.
إذا قال: إن بدأتك بالكلام فأنت طالق. يعني إذا ابتدأتك بعد هذه الجملة، لكنها قالت له: إن بدأتك به فعبدي حر. انحلت يمينه؛ وذلك لأنه ما بدأها، بل هي التي بدأته؛ لقولها: إن بدأتك به فعبدي حر. فلا تطلق. حيث إنها هي التي بدأته، وأما هي فتقع يمينها، فإذا كلمته بعد ذلك عتق عبدها؛ لأنها بدأته بعد هذا الكلام.
إذا قال: إن خرجت بغير إذني، أو نحو ذلك، فأنت طالق: خرجت إلى السوق، أو إلى الأندية، أو إلى الاستراحات، أو أماكن اللهو بغير إذني فأنت طالق. ثم أذن لها فخرجت فهذه المرة ما تطلق، لكن خرجت بعد ذلك بغير إذنه، أو أذن لها ولم تعلم بالإذن، وخرجت بغيرإذن، أو بغير علم منها بإذنه، في هذه الحال تطلق. المرة الأولى: أذن، وا لمرة الثانية: ما أذن، أو أذن ولم تعلم.
أما إذا أبطل كلامه، وقال: قد أبطلت كلامي، قد أذنت لك متى شئت. فإنها لا تطلق، وإن علقه على مشيئتها تطلق بمشيئتها غير مكرهة: إذا قال: أنت طالق متى شئت. فإذا قالت: قد شئت، أنا أريد الطلاق، أنا أشاء الطلاق. طلقت؛ لأنه علقه على فعل لها، وهذا الفعل لا يعرف إلا من قبلها. فإذا قالت: قد شئت الطلاق، أو قد أردته، ولست بمكرهة. أما إذا أكرهها أبوها، وقال: إنه أراد طلاقك، اطلبي منه الطلاق، قولي: إني قد شئت وإلا ضربتك وإلا أوجعتك. أو قاله أخوها لها، فأكرهوها على أن تقول: إني قد شئت الطلاق. فهاهنا مكرهة، وتقدم أن الإكراه يمنع وقوع الطلاق.
إذا علق الطلاق بمشيئة اثنين فلا تطلق إلا بمشيئتهما جميعا. فإذا قال: أنت طالق إذا شاء أبوك وأمك. فقال أبوها: أنا قد شئت. وقالت أمها: أنا لا أشاء، أنا لم أشأ، ولا أريد أن تطلق. ما تطلق؛ لأنه علقه على مشيئة اثنين،