وكذلك على مشيئة أخويها أو أختيها، إذا شاء أحدهما، وقال: أنا أريد أنها تطلق. فقال الآخر: أنا لا أريد. فلا يقع الطلاق إلا بمشيئتهما جميعا.
وإن علقه على مشيئة الله - تعالى- تطلق في الحال؛ وذلك لأن مشيئة الله قدرية، والله تعالى يشاء كل ما في الوجود. فإذا قال: أنت طالق -إن شاء الله-. طلقت في الحال، وإذا قال لعبده: أنت حر إن -شاء الله- أو أعتقتك -إن شاء الله-. فمتى يعتق؟ يعتق في الحال؛ لأن كل ما وقع فإنه يكون بمشيئة الله -تعالى-.
ذكر المؤلف بعد ذلك أمثلة من اليمين، أمثلة من الكلام الذي هو حلف؛ وذلك لأن كثيرا من الطلاق يعتبرونه حلفا. فأتوا بهذه الأمثلة:
المثال الأول: إذا حلف لا يدخل دارا، أو لا يخرج منه فأدخل، أو أخرج بعض جسده، أو دخل طاق الباب، ففي هذه الحال هل يحنث؟ لا يحنث؛ لأنه ما فعل المحلوف عليه.
ومثله الطلاق: لو قال: أنت طالق إن دخلت هذه الدار. فأدخلت رأسها، أو وقفت فوق الطاق -الطاق الذي هو الباب- إذا فتح وقفت تحت الطاق ما تطلق؛ ما حصل الدخول.
وكذلك لو قال: والله لا أخرج من هذه الدار اليوم. فأطل من النافذة: أخرج رأسه، أو نحو ذلك، أو وقف في الطاق -في طاق الباب- فلا يحنث.
وكذا لو قال لامرأته: إن خرجت من هذه الدار في هذا اليوم فأنت طالق: أخرجت رأسها من نافذة، أو من الباب، أو وقفت في طاق الباب. فلا تطلق، وكذلك إذا أخرجت يدها مع الباب، أو مع النافذة.
إذا حلف أن لا يلبس ثوبا من غزلها، فلبس ثوبا بعضه من غزلها وبعضه من غيره -غزلها هو الذي تحوكه: كان النساء يغزلن الصوف، وإذا غزلنه نسج ثيابا، أو فرشا، أو بيوت شعر، أو نحو ذلك- إذا قال: والله لا ألبس ثوبا من غزلها. لبس ثوبا بعضه من غزلها وبعضه من غيره ما يحنث، وكذلك لو قال: إن لبست ثوبا من غزلها فهي طالق. لبس ثوبا بعضه منه فلا تطلق.
إذا حلف لا يشرب ماء هذا الإناء إذا كان الإناء فيه ماء فقال: والله لا أشرب، أو لأشربن ماء هذا الإناء. فإذا شرب بعضه، وقد حلف أن لا يشربه لم يحنث، وإذا حلف أن يشربه وشرب بعضه حنث. فإذا شربه كله لم يحنث، وكذا الطلاق: أنت طالق إن شربت ماء هذا الإناء. لا تطلق إذا شربت نصفه أو ثلثيه؛ لأنه علق الطلاق على شربه كله. أما إذا قال: أنت طالق إن لم تشربي ماءه. فإذا شربته كله لم تطلق، وإن شربت بعضه طلقت.
إذا قال: والله لآكلن هذا الرغيف، أو والله لألبسن هذا الثوب، أو هذه الحلة. فلا يبر إلا إذا فعله كله، ما لم يكن له نية، فعله كله أن يأكل الرغيف كله، لو أكل بعضه حنث، وكذا لو حلف على امرأته إن لم تأكلي هذا الرغيف فأنت طالق. فأكلت نصفه طلقت، أكلته كله لم تطلق، أو قال: أنت طالق إن أكلت الرغيف. أكلت نصفه لم تطلق، أكلته كله طلقت.
وهكذا إذا قال: أنت طالق إن لم تشربي هذا الماء. شربت نصفه فإنها تطلق، شربته كله لا تطلق، أنت طالق إن شربت هذا الإناء إن شربته يعني كله. إذا كان له نية فإنها تنفعه نيته. كما لو لم يكن يتصور، لو قال -مثلا-: ... لو قال: إن لم تشربي ماء هذا النهر فأنت طالق. معلوم أنه لا يتصور أن الإنسان يشرب ماء النهر الجاري، لا يتصور أن يشربه كله، فعلى هذا إذا شربت منه فإنها تطلق؛ لأن القرينة تدل على أنه لا يريد شربه كله، وكذلك -مثلا- لو كان الطعام كثيرا، إذا ذبح -مثلا- كبشا، وقال: إن لم تأكلي هذا الكبش فأنت طالق. يريد بذلك إن لم تأكلي منه، لا يريد أنها تأكله كله؛ فإن هذا متعذر.
ذكروا أنه يعذر إذا حلف المحلوف عليه فعله ناسيا أو جاهلا إلا في طلاق وعتاق. فإذا -مثلا- قال: إن لبست هذا الثوب فامرأتي طالق. ولبسه، وقال: إني نسيت أني علقت الطلاق على لبسه. هل يقبل قوله؟ لا يقبل بل يقع الطلاق؛ وذلك لأنه ادعى شيئا خفيا. فنحن نعامله بالظاهر، فنقول: تطلق المرأة وكذلك العتق لو قال: إن لبست هذا الثوب فعبدي حر. ثم لبسه، وقال: إني نسيت، أو إني جاهل أنه هو الثوب الذي حلفت عليه، جهلته. يعتق العبد؛ وذلك لأن الطلاق والعتق فيهما حق لآدمي، وحقوق الآدميين مبنية على المشاحة والمضايقة؛ فلأجل ذلك يقع الطلاق، ويقع العتاق، بخلاف اليمين فإنها لا تقع.
ومعنى ذلك: أنه لو قال: والله لا ألبس هذا الثوب. ثم لبسه ناسيا، فلا يحنث، والله لا أركب هذه السيارة. ثم ركبها ناسيا ليمينه، أو جاهلا أنها السيارة التي حلف عليها فإنه لا كفارة عليه؛ وما ذاك إلا أنه معذور بالنسيان