وبالجهل؛ لأن الناسي معذور. قال- تعالى-: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [1] قال النبي- صلى الله عليه وسلم-:"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"فإذا حلف أنه لا يركب فركب، أو حلف أنه لا يشرب فشرب، وقال: إني ناسٍ أو جاهل. قبل قوله، ولم يلزمه كفارة، وإذا طلق، أو أعتق أنه لا يركب: إن ركبت فامرأتي طالق، إن شربت فامرأتي طالق، أو عبدي حر. فشرب الماء، أو ركب البعير، أو أكل من اللحم الذي علق عليه طلاقا، ففي هذه الحال يقع الطلاق، ولو قال: إني ناسٍ. ويقع العتاق، ولو ادعي النسيان؛ لأنه ينكر حقا لغيره
يقول: وينفع غير ظالم تأويله التأويل: هو ما يسمى بالمعاريض، أو تأويل الكلام بتأويل، ولو كان فيه غرابة، وقد ذكروا أمثلة كثيرة في بعضها غرابة، ولكن يقولون: إن فيها مخرجا من بعض المآزق، ولا يسمى كذبا. تذكرون في قصة غزوة بدر؟ لما خرج النبي- صلى الله عليه وسلم-، وأقبل على بدر، لقي رجلا من المشركين، فسأله: ما الأخبار؟ ما أخبار قريش؟ وما أخبار محمد؟ فسأله: ممن أنتم؟ فقال: أخبرنا ونخبرك. فأخبره بما سمع عن هؤلاء وهؤلاء، ثم قال: من أنتم؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - نحن من ماء. يعني أننا خلقنا من ماء، فظن أن هناك قبيلة يقال لهم ماء، وصدقه، وليس في هذا كذب، ولكن فيه تأويل. فالتأويل ينفع إذا كان غير ظالم.
وأما إذا كان ظالما فليس له أن يتأول، فمثلا: الإنسان الذي عنده دين، أو عنده مال إذا حلف وقال: والله ما له عندي شيء. وقال: أردت بذلك ... أردت ماله -يعني- عندي، وهو شيء. صاحب المال يعتبر أن هذا حلف على النفي، ونيته أنه حلف على الإثبات، أي له عندي شيء. فمثل هذا يعتبر كذبا، ولا ينفعه هذا التأويل.
وكثر التأويل في كثير من النصوص، واعتبروه -في نظرهم- أنه نافع، ولكن ليس بنافع لهم؛ لأنهم متأولون ما لا يحل لهم: تأول بعضهم قول الله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) } [2] فجعلوا كلمة (إلى) اسما واحده الآلة التي هي النعم. إلى يعني نعمة ربها ناظرة، وهذا تأويل بعيد، ومثال التأويل الظالم: لو قال -مثلا-: هل رأيت بعيري؟ فقال: والله ما رأيته. مع أنه عنده، قد سرقه، لماذا حلفت؟ قال: حلفت ما رأيته يعني ما طعنت رئته. رأيته يعني طعنته في الرئة، وأخرجت رئته، وكذلك لو قال: والله ما قلبته. وأراد بذلك ما قطعت قلبه، فإن هذا تأويل باطل، إذا كان ظالما وكاذبا وسارقا لا ينفعه تأويله.
وأما إذا كان كاذبا غير ظالم فإنه ينفعه تأويله، وينفعه الكلام الذي قد يفهم منه غير ظاهره. فلا يكون في ذلك كذب، وقد كان النبي- صلى الله عليه وسلم- يتكلم بكلمات حق، وقد يفهمها بعضهم على غير ما هي عليه: جاء رجل، فقال: يا رسول الله، احملني. فقال: أحملك على ولد الناقة. فقال: لا يطيقني. فقال: والله لا أحملك إلا على ولد الناقة. -ظن أن ولد الناقة هو البكر الصغير- فقيل له: وهل الجمل إلا ولد الناقة؟ إذا حملك على جمل فالجمل ولد ناقة. فهذا من التأويل المباح.
وذكر أن امرأة سألت النبي- صلى الله عليه وسلم- عن أمر في زوجها، فقال: زوجك الذي في عينيه بياض؟ فأنكرت ذلك، فقال: بلى. ولما رجعت أخذت تنظر في عيني زوجها، وما فكرت أن المراد بالبياض: البياض الذي في جانب السواد، يعني كل إنسان في عينيه سواد وبياض.
وكذلك -أيضا- جاءت امرأة، وقالت: يا رسول الله، ادع الله أن يدخلني الجنة. - وكانت امرأة كبيرة- فقال: ويحك إن الجنة لا يدخلها عجوز. فولت تبكي، فقال: ادعوها، وأخبروها أنها لا تدخل الجنة وهي عجوز، إن الله يقول {إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (36) } [3] هذه أمثلة من التأويل الذي ينفع. شك في طلاق أو ما علق عليه:
يقول: من شك في طلاق، أو ما علق عليه لم يلزمه إذا قال: أنا أشك: هل أنا طلقت أو ما طلقت؟ لا تلتفت إلى هذا الشك، ولا تهتم به؛ وذلك لأن الأصل بقاء الزوجية، وإذا كانت الزوجية باقية فالأصل أنها ما حدث شيء يخرجها عن كونها زوجة. فلا تلتفت إلى هذا الطلاق المشكوك فيه، وكذلك إذا شك فيما علق عليه: إذا قال: أنا طلقتها بشرط أنها تخرج -يعني- إن خرجت، أنا أشك: هل هي خرجت أو ما خرجت؟ هل تنفي وتقول: ما خرجت. فالأصل عدم وجود الشرط الذي علق عليه الطلاق، فلا يلتفت إلى ذلك الطلاق الذي علقه على شيء وشك في وقوعه، فلا يلزمه ذلك الطلاق.
وهكذا إذا شك في العدد، قال: أنا طلقت، ولا أدري هل أنا طلقت واحدة أو اثنتين؟ أشك في ذلك. أيقن بوقوع الطلاق، وشك في عدده. ما الحكم؟ يبني على اليقين: الواحدة يقين، والثانية مشكوك فيها، فيبني على اليقين، يقع طلقة واحدة.
إذا قال لمن ظنها زوجته: أنت طالق. طلقت زوجته: رأى امرأة تمشي في السوق، وجاءها وقال لها: أنت طالق. وإذا هي أجنبية -هو يظنها امرأته- طلقت امرأته؛ لأن نيته تطليق امرأته.
أو كذلك: رآها تمشي، وقال: أشهدوا أن هذه طالق. وعقيدته أنها امرأته، وأنه يريد تطليقها وقع الطلاق.
وكذلك العكس لا يقع: إذا رأى امرأته تمشي في السوق، وظن أنها أجنبية -امرأة من سائر الناس- فقال لها: أنت طالق. في هذه الحال يقول: ما كنت أظنها زوجتي، أظنها امرأة من سائر الناس. فوجئ بأنها امرأته: من العلماء من يقول: تطلق امرأته؛ وما ذاك إلا أنه واجهها بالطلاق، وإذا قال: إني ما كنت أظنها امرأتي، كنت أظنها أجنبية. فلا يقبل؛ وذلك لأنه يتعلق به حق آدمي، فيلزمه الطلاق الذي أوقعه بها. هكذا ذكروا.
والقول الثاني: أنه لا يقع؛ وذلك لأنه ظنها أجنبية، وطلاقه للأجنبية لا يضر. أوقع بزوجته كلمة وشك هل هي طلاق أو ظهار:
يقول ومن أوقع بزوجته كلمة، وشك هل هي طلاق أو ظهار يقول: أنا تكلمت مع امرأتي كلمة، ونسيت: هل أنا قلت أنت طالق، أو أنت محرمة عليَّ، أو أنت كظهر أمي، أو قلت: أنت جريئة، أو أنت بذيئة، أو أنت غير محترمة، أو ما أشبه ذلك؟ تكلمت عليها بكلمة، ونسيت تلك الكلمة: هل هي ظهار، أو طلاق، أو إنكار، أو سب، أو عيب؟ عبتها بذلك نسيت تلك الكلمة. فماذا يلزمه؟ لا يلزمه شيء؛ لأنه ما تجرأ، ولا جزم بشيء يترتب عليه طلاق أو ظهار؛ لهذا ما تضمنه هذا الفصل وبمراجعة شروح هذا يتبين ما يلحق بها من الصور، والله أعلم.
س: أحسن الله إليكم. هذا سائل يقول: فضيلة الشيخ: ما حكم حضور الحائض لمثل هذه الدورة؟ وهل لها دخول المسجد. وفقكم الله ورعاكم؟
ج: أكثر العلماء على أنه لا يجوز للحائض أن تدخل المسجد، وذلك لحرمته، ولكن السبب في ذلك مخافة أن تلوثه بما يتقاطر منها من الدم، وفي هذه الأزمنة النساء يتحفظن ولا يخرج منهن شيء، ومع ذلك الأولى أنها لا تدخل إلا في الملحقات إذا كان هناك ملحقات في المسجد كمكتبة مثلا، أو غرف للحراس، أو ما أشبه ذلك، فلها الجلوس فيها.
س: أحسن الله إليكم. وهذا يقول: فضيلة الشيخ: هل جاء في مسألة رفع الصوت بالذكر بعد الصلاة المفروضة حديث، أو أثر، أم أنه بدعة. أفتونا مأجورين؟
ج: ليس ببدعة، ورد في حديث ابن عباس أن رفع الصوت بالذكر بعد الصلاة كان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويقول: كنا نعرف انقضاء الصلاة بالتكبير، يعني بالذكر يعني أنهم بعد السلام، يسبح هذا، ويستغفر هذا، ويهلل
(1) - سورة البقرة آية: 286.
(2) - سورة القيامة آية: 22 - 23.
(3) - سورة الواقعة آية: 35 - 36.